بعد مرور نحو عامٍ على سقوط نظام البعث، ما تزال سوريا غارقةً في حالة انتظارٍ ثقيل، بين وعودٍ إصلاحية لم تُنفذ، ومؤسساتٍ انتقالية عاجزة عن تحويل الانهيار السياسي إلى بداية لمسار جديد. ورغم أن لحظة السقوط حملت آمالًا واسعة لدى السوريين، فإن ما تلاها كشف هشاشة بنية الحكومة الانتقالية، وغياب خطواتٍ جادةٍ لبناء دولةٍ تستند إلى العدالة والمواطنة.
منذ تشكيل الحكومة السورية الانتقالية، بدا واضحًا أنها ثمرةُ تفاهماتٍ دولية أكثرَ من كونها نتاجُ إرادةٍ شعبية شاملة؛ إذ إنها لم تضم سوى لونٍ واحد يفتقر إلى قاعدةٍ جماهيرية، ما جعلها عاجزةً عن صياغة مشروعٍ واضح لإدارة المرحلة.
ملف العدالة الانتقالية لم يشهد أي تقدمٍ ملموس؛ الانتهاكات السابقة لم تُفتح، المتورطون لم يُحاسبوا، والمعتقلون والمفقودون ما زالوا خارج أي معالجة جدية. وفي الوقت الذي كان يُنتظر من الحكومة الانتقالية إغلاق هذا الملف عبر المحاسبة، ظهرت موجاتُ اعتقالٍ جديدة، استهدفت مدنيين وناشطين، ما أثار شكوكًا حول التزامها بالحريات الأساسية.
مناطقُ عدة، أبرزها الساحل والسويداء، شهدت أحداثًا دامية رافقتها انتهاكات وعمليات إعدام ميداني وثقتها منظمات حقوقية. ورغم تشكيل لجنة تحقيق، فإن الرواية الرسمية التي عزت ما جرى إلى مجموعات مسلحة خارجة عن السيطرة لم تقنع الشارع السوري، الذي طالب بكشف الحقائق وضمان المحاسبة.
في الميدان العسكري بقي خطاب دمج الفصائل في مؤسسة موحدة بعيدًا عن التطبيق، واستمرت الفصائل بفرض أجنداتها الخاصة، ما عمّق حالة الانقسام وأضعف قدرة الحكومة الانتقالية من تحقيق أي إنجاز يذكر على الصعيد الداخلي.
وعلى الصعيد السياسي، ورغم توقيع اتفاقية العاشر من آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، فإن المفاوضات ما تزال تواجه عقبات متصاعدة. ويُعد الموقف التركي العاملَ الأكثر تأثيرًا في عرقلة أي تقدم، ما يجعل أي اتفاق فعلي مرهونًا بتغير هذا الموقف أكثر من تقارب وجهات النظر بين الأطراف السورية.
أما الإعلان الدستوري الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة قانونية لإدارة المرحلة الانتقالية بقي موضع جدل واسع بين شرائح المجتمع السوري بسبب غياب التوافق الوطني حول مضامينه وعدم وضوح آليات تطبيقه على أرض الواقع، كما أن الانتخابات البرلمانية التي كان من المفترض أن تجرى بشفافية وفي كافة المناطق السورية افتقرت إلى بيئة آمنة وضمانات حقيقية للشفافية والمشاركة الواسعة.
وكذلك الاقتصاد فهو ليس بأفضل حالا من سالفاته، فأزماته لا تزال متفاقمة والإجراءات الحكومية بقيت محدودة وغير كافية والقدرة الشرائية للمواطن السوري تراجعت، فيما ظلت المشاريع الاقتصادية المعلنة محصورة في إطار تصريحات أكثر من كونها حلولا مؤثرة.
واليوم تقف سوريا أمام مفترق طرق، إما استمرار انتقال هش يعيد إنتاج الأزمة ذاتها، أو انطلاق مشروع وطني يعالج جذور المشكلات ويؤسس لدستور جديد يضمن مشاركة جميع السوريين في رسم مستقبل تعثرت فيه الخطا على مدى أربع عشرة سنة من الحرب.
