في خطوة أثارت موجة من الجدل الإنساني والسياسي، أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تحذيرًا بشأن سوريا، أكدت فيه أن البلاد لم تعد قادرة على استقبال المزيد من اللاجئين العائدين، في ظل انهيار البنية التحتية وتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، محذّرةً من تداعيات كارثية لأي محاولة لفرض العودة القسرية من الخارج، خاصة من بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا.
أعلن غونزالو فارغاس يوسا، رئيس المفوضية السامية للأمم المتحدة في سوريا، يوم الأحد، أن البلاد بلغت حدها الأقصى في قدرتها على استيعاب اللاجئين العائدين من الخارج، مضيفًا أن الضغط الناجم عن هذا التدفق الهائل يهدد بانهيار قطاعات حيوية، أبرزها الصحة والمياه والتعليم.
وأشار إلى أن أكثر من نصف مليون لاجئ عادوا إلى سوريا منذ نهاية عام 2024 بعد سقوط النظام، في حين توقّع يوسا أن يصل عدد اللاجئين العائدين إلى 1.5 مليون بنهاية عام 2025، ما يؤدي إلى تشكيل ضغط هائل على قدرات سوريا المحدودة.
وتزداد المخاوف في الأوساط الإنسانية، خصوصًا مع وجود نحو 7.2 مليون نازح داخل سوريا، إلى جانب قرابة 6 ملايين لاجئ موزعين في دول الجوار، وفقًا لآخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يضاعف التحدي الإنساني، خاصة في ظل غياب آليات فعالة لإعادة الإعمار أو توفير الحد الأدنى من مقومات العيش للعائدين من الخارج.
جاء التحذير الأممي بالتزامن مع تصاعد الجدل السياسي في ألمانيا حول خطط لترحيل السوريين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، بمن فيهم القادرون على العمل. وأكد يوسا أن هذا النوع من العودة، الذي قد يكون إجباريًا أو غير طوعي، يفتقر إلى الأسس الواقعية، حيث إن العديد من العائدين يُجبرون على الهروب مجددًا، إما نحو دول الجوار أو في محاولة جديدة للوصول إلى أوروبا، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي في سوريا.
وأشار يوسا إلى أن معظم المناطق في سوريا تفتقر اليوم إلى القدرة الاستيعابية للسكان، وسط نقص حاد في جميع الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل العودة مغامرة خطيرة بدلًا من أن تكون بداية لحياة جديدة بعد سنوات من الاغتراب.
ولا يقتصر تحذير المفوضية السامية على الجانب الإنساني، بل امتد إلى البعد الاقتصادي والزراعي، إذ إن سوريا، وفق تقديرات البنك الدولي، لم تحقق سوى نمو اقتصادي ضئيل بنسبة 1% في عام 2025، كما أن قطاع الزراعة، الذي كان يشكل ركيزة للأمن الغذائي، يعاني اليوم من عدة أزمات، أهمها الجفاف ونقص الدعم المالي، وفق تقارير الأمم المتحدة.
وسط هذا المشهد القاتم، تعاني المفوضية نفسها من أزمة تمويل خانقة، أدت إلى تقليص أنشطتها داخل سوريا، حيث أُغلقت نحو 40% من نقاط الاتصال الإغاثية البالغ عددها 122 نقطة.
ورغم ما يتم الترويج له من بعض الجهات عن تحسن الوضع الأمني، إلا أن عدة مناطق في سوريا لا تزال غير آمنة وتشهد اشتباكات متقطعة مع الحكومة الانتقالية، واعتقالات تعسفية، وحالات اختفاء في ظروف غامضة، بحسب ما وثّقه المرصد السوري لحقوق الإنسان على مدار أشهر.
عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم حلم مشروع، لكنه يصطدم اليوم بجدران الواقع السوري المتعب، والانقسام السياسي الأوروبي، وتراجع التمويل الدولي.
التحذير الذي أطلقته مفوضية اللاجئين يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي لإعادة صياغة مقاربة شاملة لأزمة ما زالت في جوهرها إنسانية قبل أن تكون سياسية.
