الواقعُ السائد في المناطق المحتلة شمالي سوريا، يُنذر بمزيدٍ من الأسى… كيف لا والاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، يستمرون في انتهاكاتهم تجاه السكان المدنيين هناك، بدءاً من جرائم القتل والخطف والاعتداء الجنسي، وتجريف المناطق الأثرية وحرق الأشجار، وليس انتهاءً بنهب خيرات البلاد، وتغيير ديمغرافيتها، فضلاً عن مكائدَ خفيةٍ تُخطط لها أنقرة، لتحقيق مزيدٍ من أطماعها التوسعية.
انتهاكاتُ تركيا وفصائلها الإرهابية بالمناطق المحتلة شمالي سوريا، تتمثل بغايةٍ رئيسيةٍ وهي تهجير مَن تبقّى من أهالي تلك المناطق، الذين لا يزالون متمسكين بأرضهم، بل ورافضين التخلي عنها، بأي شكلٍ من الأشكال، الأمر الذي جعل أنقرة تستشيط غضباً، فهي تخطط لاستبدال سكان المناطق المحتلة بآخرين غرباء.
أما صور الاعتداءات التي تمارسها الفصائل الإرهابية التابعة لأنقرة في تلك المناطق، فهي مُتنوعة، ولعل أبرزها عملياتُ الاختطاف والإخفاء القسري، التي وثّقتها منظماتٌ حقوقية، خلال النصفِ الأول من العام الجاري، فبلغت في عفرين وحدها، مئات الحالات، من ضمنهم أطفالٌ ونساءٌ ومرضى، أما العددُ الفعلي فهو أكثرُ من ذلك بكثير، ناهيك عن عمليات التحرُّش والاعتداء الجنسي، ونهب المنازل والمتاجر، وبيع ممتلكات السكان الأصليين.
وما يزيد من المأساة على مَن تبقّى من هؤلاء السكان، بعد مع مرور أكثرَ من ست سنواتٍ على احتلال أرضهم، هو ما تقوم به جهاتٌ ومؤسساتٌ قطرية، وبالتعاون مع تركيا، بتكريس سياسة الاحتلال وتغيير ديمغرافية المنطقة، عبر توطين عوائل الفصائل الإرهابية، في وحداتٍ سكنيةٍ تم بناؤها في عفرين، تحت ستار العمل الإنساني، أما الهدفُ الحقيقي فهو تغيير هوية المنطقة.
وفي جانبٍ من جوانب التخطيط لسياسةٍ خفيةٍ توسعية، لا تزال أنقرة تعمل لعقد اجتماعاتٍ سريةٍ مع الحكومة السورية، بوساطةِ روسيا، لتحقيق أهدافٍ أخرى على حساب الشعب السوري، لكن دمشق جدّدت في عدة مناسباتٍ أن إنهاء الاحتلال، يمثّل السبيلَ الوحيد للتطبيع مع أنقرة… فهل يمكن أن تتراجع دمشق عن موقفها هذا….لا أحد يدري، لكن المقايضات والصفقات التي أُبرمت في كواليس آستانا، لا تشجع على التفاؤل كثيراً.
وأمام ذلك كلّه، يبقى الأهم أن يتخذ المجتمعُ الدولي إجراءاتٍ حازمةً لحماية المدنيين في الشمال السوري، والوقوف بوجه ما يتعرضون له من اعتداءاتٍ من قبل تركيا والفصائل الإرهابية، التي تتبع لها، وعدم الاكتفاء بالإدانات اللفظية، التي لا تُسمِن ولا تغني من جوع، فيما يحدو السوريين الأملُ في إنهاء الاحتلال والعودة لأرضهم، وتفعيل مبدأ المحاسبة على مستوى المنظمات العالمية، كالمحكمة الجنائية الدولية.
