مع استمرار الانقسام السياسي والعسكري وتعدد القوى المسيطرة على الأرض في سوريا، لم تعد المركزية الصارمة نموذجًا فاعلًا للحياة السياسية في البلاد، بل أصبح خيار اللامركزية خيارًا واقعيًا وضرورة لإبقاء البلاد موحدة تحت سقف وطني، دون العودة إلى حكم مركزي واحد عاجز عن إدارة التنوع.
في ظل هذا المشهد العام، برزت مناطق شمال وشرق سوريا كاستثناءٍ ملفتٍ أثناء سنوات الحرب الأهلية، فهي تمثل، حتى الآن، النموذج السوري الوحيد الذي حاول إدارة التنوع من خلال أدوات مدنية، لا عسكرية أو سلطوية. وهو نموذج لا يدّعي المثالية، لكنه يحمل دلالات قوية على أن التعددية، إذا ما أُديرت بحكمة، يمكن أن تكون عنصر قوة لا سببًا للصراع.
منذ انطلاق تجربة الإدارة الذاتية، برزت محاولات واضحة لبناء نظام سياسي لا مركزي قائم على مشاركة كافة المكونات. المجالس المحلية، وتعليم اللغات القومية، وضمان تمثيل النساء والأقليات، شكّلت أبرز ملامح هذه التجربة، التي تُدار تحت سقف مجلس سوريا الديمقراطية، وتُحرس أمنيًا من قبل قوات سوريا الديمقراطية. التعايش في هذه المناطق لم يكن بلا صعوبات، بل جاء نتاجًا لتجربة مؤلمة من الحرب والحصار والتهديد المستمر من تنظيمات إرهابية، ومن قوى إقليمية تعارض هذا النموذج.
وعلى النقيض من ذلك، تُظهر المقارنة مع ممارسات النظام السوري السابق واقعًا مختلفًا كليًا. طوال عقود، اتسمت سياسات النظام البعثي بالإقصاء والتمييز، خاصة تجاه المكون الكردي، الذي حُرم من حقوقه الثقافية والمدنية، بما في ذلك الجنسية والتعليم بلغة الأم.
كما عانت المكونات الأخرى من تضييق ممنهج داخل مؤسسات الدولة، مع اعتماد السلطة على فكرة الولاء المطلق لحزب البعث، والتعامل مع التنوع كتهديد لوحدة الدولة. هذه السياسات الإقصائية أدّت إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وعمّقت الانقسامات، مما مهّد لانفجار الاحتجاجات لاحقًا.
أما ما بعد سقوط النظام، فعرفت سوريا مرحلة انتقالية لم ترتقِ إلى تطلعات السوريين. فبدلًا من ظهور دولة مدنية ديمقراطية، استولت الفصائل المسلحة، المدعومة من قوى إقليمية، على مقاليد الحكم في مناطق عدة، ما أدى إلى غياب المؤسسات، وظهور سلطات أمر واقع تتنازع السيطرة. هذه الفصائل، رغم اختلافاتها الأيديولوجية، تشاركت في اعتماد خطاب إقصائي، سواء على أساس طائفي أو قومي، مما أدى إلى تفاقم الانقسام الوطني، وتراجع فرص التفاهم بين المكونات المختلفة.
هناك تجارب دولية ناجحة في تطبيق اللامركزية في الحكم، ومن هذه التجارب ألمانيا، التي تُعد خير مثال على نجاح النظام الفدرالي، حيث تتقاسم الحكومة الفيدرالية والولايات المسؤولية بشكل دقيق، مما يعزز فاعلية المؤسسات. فضلًا عن تجارب مماثلة في الدول العربية، أهمها الإمارات والعراق، وهما مثالان يُحتذى بهما في تطبيق الفيدرالية.
وفي ظل واقعٍ متشظٍّ سياسيًا واقتصاديًا وخدميًا، تبدو اللامركزية اليوم ليست مجرد خيار إداري، بل ضرورة وطنية لسوريا، إذ تتيح هذه الصيغة من الحكم توزيعًا أكثر عدالة للسلطة والموارد، وتمكّن المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها وفقًا لأولوياتها وخصوصيتها الثقافية والجغرافية. ويمكن للامركزية أن تسهم في ترميم الهوية الوطنية على أساس الشراكة والتوازن لا الإقصاء والهيمنة.
اللامركزية لا تعني التقسيم، بل هي أن تدير كل محافظة أو منطقة شؤونها بنفسها، من التعليم إلى الصحة وكافة الشؤون الأخرى. فهي تضمن العدالة في توزيع الثروات، وتمنع التهميش، وتقلّل أسباب التوتر في بلد تراجعت فيه الثقة بين المركز والأطراف.
لم تعد اللامركزية ترفًا أو مطلبًا سياسيًا، بل أصبحت الطريقة الوحيدة لإنقاذ سوريا من الانهيار والتفكك الكامل.
