إعداد : فاتن حسين
يقدم هذا التقرير الخاص تحليلاً نقدياً لأحد أعمق المخاوف التي تواجه المجتمع الكردي في سوريا: الطبيعة المتغيرة والمستمرة للاعتقال السياسي. لعقود، كانت آلة القمع البيروقراطية الوحشية لنظام الأسد هي التهديد الوجودي الأبرز، حيث تم استخدام الاعتقال المنهجي والاختفاء القسري كأدوات لمحو الهوية الكردية. واليوم، مع تغير خرائط السيطرة وظهور هياكل أمنية جديدة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وخاصة تحت إدارة أحمد الشرع )هيئة تحرير الشام(، يجد الأكراد أنفسهم في مواجهة واقع جديد ومقلق. إنهم يعيشون تحت “ظل مزدوج “- ظل قمع الدولة القومية القديم، وظل النظام الأيديولوجي الجديد الذي يسعى لفرض رؤيته الخاصة.
هذا التقرير يتجاوز السرديات المبسطة عن “التحرير” أو “الاستبدال”، ليقدم فحصاً دقيقاً للمقارنة بين منهجيّتي القمع. من خلال تحليل مقارن للآليات القانونية )أو غيابها(، والدوافع السياسية، والتجربة الإنسانية للاعتقال في ظل النظامين، يجادل هذا التقرير بأن الخطر على الأكراد لم يتبدد، بل تحوّر. فبينما كان نظام الأسد يسعى إلى قمع “السياسة” الكردية لصالح هوية قومية عربية قسرية، يسعى النظام الجديد في إدلب ومناطقها إلى قمع “الهوية” الكردية نفسها – وخاصة جوانبها العلمانية والتعددية والنسوية – لصالح مشروع إسلامي شمولي.
بالاعتماد على شهادات موثقة من ناجين، وتحليل للخطاب الرسمي، وتقارير حقوقية، وحالات اعتقال حديثة وموثقة، يخلص هذا التقرير إلى أن المجتمع الكردي محاصر بين نموذجين من الاستبداد. ويقدم توصيات عاجلة للمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لعدم إغفال محنة الأقليات في خضم التحولات السياسية، والضغط على جميع الأطراف، القديمة والجديدة، لضمان حماية حقوق الإنسان الأساسية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب التي سمحت لهذه المآسي بالاستمرار.
مقدمة: من زنزانة بيروقراطية إلى سجن أيديولوجي
لسنوات، كان مصير المعتقل الكردي في سوريا مرسوماً بمسار بيروقراطي مرعب. يبدأ الأمر باستدعاء إلى فرع أمني، أو اختفاء عند حاجز تفتيش، ثم يذوب الفرد في أرخبيل من السجون التي تحمل أسماءً تثير الرعب: صيدنايا، تدمر، فرع فلسطين. كانت الجريمة هي الهوية، والهدف هو إذابة هذه الهوية في بوتقة القومية العربية التي فرضها حزب البعث. كان الاعتقال أداة دولة، دقيقة في وحشيتها، تهدف إلى تفكيك أي بنية سياسية أو ثقافية كردية.
اليوم، في شمال غرب سوريا، تتشكل ديناميكية جديدة. بعد سيطرة هيئة تحرير الشام وتشكيلها لحكومة الإنقاذ السورية ،يقدم قائدها، أحمد الشرع، خطاباً يعَِدُ بـ “العدالة” و”حكم المؤسسات” و”طي صفحة الماضي”. لكن بالنسبة للأكراد القلائل المتبقين في مناطق مثل عفرين وإدلب، أو أولئك الذين ينظرون بقلق من مناطق الإدارة الذاتية المجاورة، فإن هذا الخطاب محفوف بالغموض والتهديد. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل سيؤدي استبدال نظام بنظام آخر إلى تغيير حقيقي في مصيرهم، أم أنه مجرد استبدال لقفص بآخر؟
هذا التقرير يسعى للإجابة على هذا السؤال من خلال تحليل مقارن عميق. الأطروحة المركزية لهذا التقرير هي أن الانتقال من سلطة الأسد إلى سلطة الشرع لا يمثل تحريراً للأكراد، بل هو تحول من قمع الدولة القومية العلمانية )اسمياً( إلى قمع الدولة الأيديولوجية الدينية. كلاهما، في جوهره، يرفض المشروع السياسي والثقافي الكردي القائم على التعددية والعلمانية وحقوق المرأة، مما يضع الأكراد في مواجهة تهديد وجودي مستمر، وإن تغيرت أدواته ومبرراته.
الفصل الأول: آلة القمع القديمة: الاعتقال في ظل نظام الأسد
كانت منظومة الاعتقال لدى نظام الأسد نتاج عقود من الهندسة الدقيقة، وهي مصممة ليس فقط للمعاقبة، بل للإذلال والمحو.
.1.1الآلية: بيروقراطية الخوف
- الاعتقال التعسفي :لا يتطلب الأمر مذكرة توقيف. وشاية من مخبر، أو كتاب باللغة الكردية، أو أغنية وطنية، أو مجرد وجود الاسم على قائمة، كل ذلك كان كافي اً.
- الاختفاء القسري :بعد الاعتقال، يدخل الفرد في “ثقب أسود”. تنكر الأجهزة الأمنية وجوده، وتبدأ رحلة العائلة في البحث اليائس.
- التعذيب المنهجي :لم يكن التعذيب استثناءً، بل كان القاعدة. أساليب مثل “الشبح”، و”الدولاب”، و”الكرسي الألماني” كانت جزءًا من روتين الاستجواب.
- المحاكم الصورية :إذا حالف المعتقل الحظ ووصل إلى المحاكمة، فإنه يمثل أمام محاكم استثنائية مثل محكمة أمن الدولة العليا )سابقًا( أو محكمة الإرهاب، حيث لا وجود لأبسط معايير العدالة.
.1.2الدافع: محو الهوية السياسية
كان الهدف الأساسي هو قمع أي تعبير عن “الخصوصية” الكردية. كان النظام مستعدًاً للتسامح مع “كردي” منزوع السياسة، لكنه كان يسحق بلا رحمة أي “كردي سياسي”. التهم كانت دائمًا سياسية: “الانتماء إلى تنظيم سري”، “اقتطاع جزء من أراضي الدولة”، “إضعاف الشعور القومي.”
.1.3حالة ممثلة: قصة “كاوا”، الناشط الثقافي
كاوا، مدرس لغة كردية في أواخر الثلاثينيات من عمره من حي الشيخ مقصود بحلب، كان يدير مركزًا ثقافيًا صغيرًا بشكل سري قبل عام 2011. في عام 2008، تم اعتقاله من قبل فرع الأمن السياسي. في شهادته الموثقة، يصف كاوا: “لم يسألوني عن أي عمل عنيف. كل الأسئلة كانت عن الكتب التي نقرأها، والأغاني التي نغنيها، ولماذا نصر على التحدث بالكردية. كان المحقق يقول لي باستمرار: ‘لا يوجد شيء اسمه كردستان، أنتم جميعًا سوريون’. لقد أرادوا أن يقتلعوا الفكرة من رأسي”. قضى كاوا خمس سنوات في سجن صيدنايا، حيث شهد أهوالاً لا توصف. قصته هي قصة الآلاف الذين اعتقلهم النظام ليس لكونهم مقاتلين، بل لكونهم حماة لهويتهم.
الفصل الثاني: الواقع الجديد: الاعتقال في ظل حكومة أحمد الشرع
يقدم أحمد الشرع وحكومة الإنقاذ في إدلب نفسيهما كبديل لنظام الأسد. لكن بالنسبة للأكراد، هذا البديل محفوف بمخاطر من نوع مختلف.
.2.1الآلية: قمع أيديولوجي بغطاء مؤسس ي
- جهاز الأمن العام :أنشأت هيئة تحرير الشام “جهاز الأمن العام” كذراعها الاستخباراتي والأمني. هذا الجهاز، وإن كان أقل بيروقراطية من أجهزة الأسد، إلا أنه لا يقل عنه قسوة.
- الاعتقال المبرر أيديولوجيًا :التهم هنا ليست “إضعاف الشعور القومي”، بل “العلمانية”، “الكفر”، “العمالة للغرب”، أو “الانتماء إلى خلايا حزب العمال الكردستاني الملحد.”
- المحاكم الشرعية :يتم تقديم المعتقلين إلى محاكم شرعية تابعة لهيئة تحرير الشام، والتي تطبق تفسيرها الخاص للشريعة.
- “إعادة التأهيل” العقائدي :في بعض الحالات، يهدف الاعتقال إلى “إعادة التأهيل” العقائدي، أي إجبار المعتقل على التخلي عن أفكاره “المنحرفة.”
.2.2الدافع: محو الهوية الاجتماعية والثقافية
إذا كان نظام الأسد يستهدف “السياسي” في الهوية الكردية، فإن نظام الشرع يستهدف “الاجتماعي” و”الثقافي”. الخطر الأكبر في نظر هيئة تحرير الشام ليس المطالبة بدولة كردية، بل المشروع الاجتماعي العلماني للإدارة الذاتية، وخاصة دوره المحوري للمرأة. الهدف هو تفكيك نموذج الحياة الكردي الحديث الذي يتعارض بشكل مباشر مع مشروعهم الإسلامي الشمولي.
.2.3حالات موثقة: وجوه من القفص الجديد
إن أفضل طريقة لفهم هذا الواقع الجديد هي من خلال قصص ضحاياه. الحالات التالية، التي تم توثيقها في صيف 2025، تكشف عن النمط المقلق لممارسات “جهاز الأمن العام.”
الحالة الأولى: فرهاد حسن مسلم – تشريح الوعد الكاذب كأداة للاختفاء القسري
لا يمكن فهم قصة اعتقال فرهاد حسن مسلم بمعزل عن السياق النفسي الذي تم فيه. إنها ليست مجرد عملية اعتقال تعسفي ،بل هي مسرحية متكاملة من الخداع النفسي، مصممة لتفكيك مقاومة العائلة في لحظتها الأولى، وتسهيل عملية الاختفاء القسري.
- مسرح الجريمة: العلنية كرسالة ترهيب .لم يتم اعتقال فرهاد في زقاق مظلم أو في منتصف الليل. لقد تم في
وضح النهار، في مدينة السفيرة، وأمام والدته. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً، بل كان مقصوداً لتحقيق هدفين:
- تطبيع القمع :عندما تتم الاعتقالات بشكل علني، فإنها ترسل رسالة إلى كل من يشاهد: “نحن السلطة هنا، ويمكننا أن نأخذ أي شخص، في أي وقت، ومن أمام أعينكم، ولن تستطيعوا فعل شيء”. هذا يحول الخوف من تجربة فردية إلى حالة جماعية من الرعب.
- كسر الرابط الأسري المقدس :إن اعتقال رجل أمام والدته هو انتهاك لأحد أقدس الروابط الاجتماعية .
إنه إذلال ليس فقط للمعتقل، بل للعائلة بأكملها، ويظُهر أن سلطة الجهاز الأمني تتجاوز كل الأعراف والقيم المجتمعية.
- الوعد الكاذب: “فقط بعض الأسئلة وسنعُيده .”هذه العبارة ليست مجرد كذبة عابرة، بل هي أداة تخدير نفسي
مدروسة. في تلك اللحظة المليئة بالصدمة والارتباك، تتشبث الأم بأي بصيص أمل. هذا الوعد الكاذب يحقق عدة أهداف للسلطة القامعة:
- منع المقاومة الفورية :يمنع الأم من الصراخ أو طلب المساعدة أو محاولة عرقلة الاعتقال، على أمل أن تعاونها سيؤدي إلى عودة ابنها سريع اً.
- شراء الوقت :يمنح الخاطفين وقتاً ثميناً للابتعاد بالضحية وإخفائها في شبكة معقدة من مراكز الاحتجاز، مما يجعل تعقبه لاحقاً شبه مستحيل.
- زرع الشك الذاتي :بعد أن يمر الوقت ولا يعود الابن، تبدأ الأم في لوم نفسها. “هل كان يجب أن أصرخ؟ هل كان يجب أن أفعل شيئاً مختلفا؟ً” هذا الشعور بالذنب يضاف إلى ألم الفقد، وهو شكل من أشكال التعذيب النفسي طويل الأمد للعائلة.
- المصير المجهول: جحيم الانتظار .إن مصير فرهاد المجهول هو الجزء الأكثر وحشية في هذه القصة. الاختفاء القسري هو جريمة مستمرة، لا تنتهي بلحظة الاعتقال. بالنسبة لعائلة فرهاد، كل يوم هو يوم جديد من التعذيب .
كل طرقة على الباب قد تكون خبراً، وكل رنة هاتف قد تكون الأمل أو اليأس. إنهم يعيشون في حالة من “الفقدان الغامض”، لا هم أحياء في نظرهم فيفرحوا، ولا هم أموات فيحزنوا. هذا الفراغ هو ما يهدف إليه القمع: ليس فقط إزالة الفرد، بل تدمير النسيج العاطفي والاجتماعي لعائلته ومجتمعه.
التحليل :حالة فرهاد هي نموذج مصغر لاستراتيجية الاختفاء القسري التي تتقنها الأنظمة الشمولية. إنها تجمع بين الوحشية العلنية والخداع النفسي، وتترك وراءها جرحاً مفتوحاً لا يندمل. إنها دليل قاطع على أن “جهاز الأمن العام” لا يعمل كجهاز شرطة يطبق القانون، بل كأداة قمع سياسي تستخدم أساليب الميليشيات والمخابرات القمعية.
الحالة الثانية: محمد إبراهيم رشيد – الهوية كجريمة مكتملة الأركان
تعُتبر حالة محمد إبراهيم رشيد أكثر مباشرة وفظاظة، وهي تكشف عن جوهر الأيديولوجية التي تحرك الجهاز الأمني الجديد. هنا، لا يوجد حتى ادعاء بوجود تهمة أو تحقيق؛ فالهوية وحدها هي الجريمة والدليل والعقوبة.
- سؤال الحاجز: “هل أنت كردي؟ .”هذا السؤال ليس سؤالاً استنكارياً بريئاً، بل هو آلية فرز وتصنيف أمني. في عقلية عنصر الأمن على الحاجز، الإجابة بـ “نعم” لا تعني مجرد انتماء إثني، بل تطلق سلسلة من الافتراضات المسبقة الخطيرة:
- الارتباط التلقائي بالخصم :يتم ربط أي شخص كردي، وخاصة من منطقة عفرين، تلقائياً بالإدارة الذاتية وحزب العمال الكردستاني(PKK) ، الذين تعتبرهم هيئة تحرير الشام خصماً أيديولوجياً وعسكري اً.
- الشبهة بالعلمانية :ينُظر إلى المشروع الكردي في شمال شرق سوريا على أنه مشروع علماني، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع الأيديولوجية الإسلامية المتشددة للهيئة. وبالتالي، فإن أي كردي هو “علماني محتمل” وبالتالي “مشروع عدو.”
- الذاكرة والتاريخ :عفرين، على وجه الخصوص، تمثل رمزاً للمقاومة الكردية. أن تكون “كردياً من عفرين” يعني أنك تحمل ذاكرة وتاريخاً وهوية تعتبرها السلطة الجديدة تهديداً يجب محوه.
- الاعتقال الفوري: لا حاجة لمبررات .إن اعتقال محمد فور إجابته بـ “نعم” هو الدليل الأكثر وضوحاً على أن العملية ليست تحقيقاً قانونياً، بل هي عملية تطهير هوياتي. لا يوجد سؤال آخر، لا عن أفعاله، لا عن أوراقه الثبوتية، لا عن وجهته. لقد تم اتخاذ القرار مسبقاً: الهوية الكردية، وخاصة العفرينية، هي تهمة قائمة بذاتها.
- الضحية المزدوجة: مهجّر ومستهدف .قصة محمد تحمل طبقة إضافية من المأساة. إنه ليس مجرد مواطن تم اعتقاله، بل هو ضحية تهجير قسري من قريته “باصله” على يد القوات التركية والفصائل الموالية لها. لقد فر من شكل من أشكال القمع والاحتلال، ليقع في قبضة شكل آخر من القمع والاستهداف. هذا يضعه في وضع “اللاجئ داخل وطنه”، حيث لا يوجد مكان آمن له. لقد فقد أرضه وبيته، والآن يفقد حريته وربما حياته، وكل ذلك بسبب هويته.
التحليل :حالة محمد هي تجسيد حي لسياسة “التنميط العرقي” (Ethnic Profiling) التي يمارسها الجهاز الأمني. إنها تكشف عن أن خطاب “المؤسسات والعدالة” الذي تروج له حكومة الإنقاذ هو مجرد واجهة، بينما في الممارسة العملية على الحواجز وفي الشوارع، يتم التعامل مع الأفراد على أساس هويتهم العرقية والسياسية المفترضة. هذا يخلق بيئة من
الخوف الدائم لآلاف المهجرين الأكراد الذين يعيشون في هذه المناطق، ويجعلهم رهائن محتملين في أي لحظة، مما يدفعهم إما إلى إخفاء هويتهم بالكامل، أو إلى الفرار مرة أخرى، وهو ما يخدم هدف التغيير الديموغرافي طويل الأمد.
الفصل الثالث: تحليل مقارن: أوجه التشابه والاختلاف المدمر ة
| المعيار | نظام الأسد )الدولة القومية( | نظام أحمد الشرع )الدولة الأيديولوجية( |
| الهدف الأساس ي | قمع التطلعات السياسية الكردية للحفاظ على مركزية الدولة. | قمع الهوية الاجتماعية والثقافية الكردية لفرض مشروع إسلامي. |
| الجريمة الرئيسية | “النزعة الانفصالية” والنشاط السياسي. | “العلمانية” و”الكفر” والتحرر الاجتماعي. مع النزعة الانفصالية |
| الأداة القانونية | قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب )قانون وضعي(. | تفسير متشدد للشريعة الإسلامية. |
| الضحية النموذجية | الناشط السياسي، المثقف، حامل الفكر القومي. | المرأة المستقلة، الفنان، حامل الفكر القومي والناشط المدني. |
| النتيجة النهائية | محاولة لخلق “كردي” منزوع السياسة وموالٍ للدولة. | محاولة لخلق “مسلم” )وفق تفسيرهم( منزوع الهوية الكردية الحديثة. |
التشابه المدمر :كلا النظامين، على الرغم من اختلافهما الجذري في الأيديولوجيا، يتفقان على نقطة واحدة: رفضهما المطلق للمشروع الكردي الديمقراطي والتعددي. كلاهما يرى في الأكراد تهديداً وجوديًا لمشروعه الخاص. وكلاهما يستخدم الاعتقال التعسفي كأداة أساسية لتفكيك المجتمع الكردي من الداخل.
الخاتمة: دعوة عاجلة لكسر حلقة القم ع
إن التحولات السياسية الدراماتيكية في سوريا لا يجب أن تحجب الحقيقة المأساوية التي تواجه الأقليات. إن الانتقال من قبضة إلى أخرى ليس تحريراً إذا كانت كلتا القبضتين تهدفان إلى سحق هويتك. إن قصة الاعتقال السياسي للأكراد في سوريا هي قصة ظل مزدوج.
توصيات:
للمجتمع الدولي )الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي(:
- عدم إضفاء الشرعية دون شروط :يجب ربط أي شكل من أشكال الاعتراف السياسي أو رفع العقوبات عن أي طرف في سوريا )بما في ذلك إدارة الشرع الجديدة( بشروط صارمة تتعلق بحقوق الإنسان.
- توسيع نطاق المساءلة :يجب أن تشمل جهود المساءلة الدولية جرائم جميع الأطراف. يجب التحقيق في انتهاكات هيئة تحرير الشام بنفس الجدية التي يتم بها التحقيق في جرائم نظام الأسد.
لمنظمات حقوق الإنسان :
- التوثيق المقارن :تكثيف جهود توثيق الانتهاكات في المناطق الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام.
- دعم الضحايا :إنشاء شبكات دعم نفسي وقانوني للناجين من كلا النظامين.
لإدارة الأمر الواقع في شمال غرب سوريا:
- الإفراج الفوري :الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين تعسفياً، والكشف عن مصير المختفين قسر اً.
- إخضاع الأجهزة الأمنية للقانون :وضع “جهاز الأمن العام” تحت سلطة قضاء مدني مستقل وشفاف .
إن لم يتم كسر حلقة القمع والإفلات من العقاب، فإن مصير الأكراد في سوريا سيبقى محصوراً بين خيارين مأساويين. إن واجب العالم الآن هو المساعدة في خلق خيار ثالث: خيار الحرية والكرامة والعدالة.
