كانت وما زالت منطقة الشرق الأوسط مطمعاً لكثير من القوى الكبرى والإقليمية، وسعت كل منها لحجز موطئ قدم فيها، لعل وعسى تستغله يوماً للحصول على مكاسب أكبر في أماكن أخرى من العالم.
الشرق الأوسط الأرض الخصبة لتشكل الخلافات والحروب، فاختلاف الأديان والقوميات والتعصب لها من قبل أفرادها، شجع بعض الدول للدخول بين أبناء الوطن الواحد، وأحياناً بين أبناء الدين الواحد والقومية الواحدة.
المنطقة كانت في قلب الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في خضم ما عرف حينها بالحرب الباردة، وامتد هذا الصراع إلى يوم الناس هذا، على الرغم من تفكك الاتحاد السوفييتي، فموسكو وواشنطن حافظتا على إرثهما بالاهتمام بالشرق الأوسط رغم تغير القادة والزعماء طيلة سنوات خلت.
منبع الاهتمام يرتكز بإستراتيجية روسية تسعى للوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، أما العقلية الأمريكية فمحورها هو الوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من أي منافس محتمل في العالم، وعلى هذا الأساس انتشرت القواعد الأمريكية في دول الخليج والعراق وكذلك سوريا في وقت لاحق.
التنافس بين الدول العظمى على المنطقة، ولّد تنافساً من نوعٍ آخر بين دول في المنطقة ذات تفوق عسكري وتعداد سكاني أكثر بكثير من جيرانها، وعلى رأس هذه الدول كل من إيران وتركيا.
الدولتان كانتا يوماً ما من الدول الكبيرة، لكن التقلبات السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين أدت إلى تراجعهما، وهو ربما يفسر النظرة التي ينظرون فيها إلى أنفسهم، بأنهم قادة المنطقة، والبقية تابعون لهم.
تركيا وإيران، كلاهما وفق مراقبين يتدخل بأشكال فظة في شؤون دول الجوار، وسوريا خير مثال على ذلك، فتركيا تحتل مساحاتٍ واسعةً منها، أما إيران فتنتشر فصائل موالية لها في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، ناهيك عن امتيازاتها الاقتصادية هناك، وهو ما يوازيها في مناطق سيطرة ما يعرف بالمعارضة لتركيا.
وما بين التشيع الذي تحمل لواءه إيران في الشرق الأوسط، والتسنن الذي تدعي تركيا أنها تحميه من أي مد شيعي، تعيش المنطقة على صفيح ساخن، ويتخوف أهلها من نشوب حرب طائفية وقودها هم دون غيرهم من خالقي الفتنة.
وعند الحديث عن المنطقة لا بد من التطرق إلى إسرائيل، التي يصفها محللون عرب بأن لها مصلحةً ما في أي توتر في دول الجوار، فمنذ بداية نشأتها منتصف القرن الماضي، كانت إسرائيل محاطةً بدول لا ترحب بوجودها، وهو ما فرض عليها اتباع سياسة الترهيب تارةً والترغيب تارةً أخرى مع جيرانها، للحصول على الاعتراف بوجودها في المنطقة كدولة مستقلة، وليس دولةً محتلةً.
وفي أقصى الشرق، هناك دولة برزت على الساحة الدولية في منتصف تسعينات القرن الماضي كقوة عظمى صاعدة وهي الصين، التي تتباهى بتعداد سكانها الكبير، واقتصادها المتنامي، والذي تسعى من خلاله للولوج في الشرق الأوسط، للحصول على حصة من الكعكة، التي يتعارك عليها كثيرون.
هذه هي منطقة الشرق الأوسط، تحوي الشيء ونقيضه، فكانت أرض السلام ولم تر السلام يوماً، وهي أرض الخير، وشعوبها تعاني العوز والفقر، وهي أرض الأديان، وأتباع هذه الأديان في خلاف مستمر منذ أيام غابرة.
