عندما رُفع علم الاستقلال في الخرطوم في الأول من كانون الثاني – يناير 1956، كان الأمل يحدو كل من شارك في تلك اللحظة التاريخية. كان السودان يُنظر إليه ليس فقط كأكبر دولة أفريقية فحسب، بل كـ”سلة غذاء” مستقبلية للعالم العربي، وللقارة بأكملها. كانت المقومات موجودة بكل وضوح: أرض شاسعة تزيد عن 2.5 مليون كيلومتر مربع، نهر النيل شريان الحياة، 200 مليون فدان صالح للزراعة، واحتياطيات ذهب تقدر بـ1,500 طن، وموقع استراتيجي على البحر الأحمر. كل المؤشرات كانت تُشير إلى ولادة عملاق اقتصادي وسياسي في المنطقة.
بعد سبعة عقود تقريبا، تحولت هذه الصورة الوردية إلى كابوس مرعب. فالسودان اليوم أصبح النموذج الأكثر إيلاماً للدولة الفاشلة: حرب أهلية طاحنة، انهيار تام للمؤسسات، اقتصاد منكوب، ونزوح لما يزيد عن 9.1 مليون إنسان حسب الأمم المتحدة، ليصبح أكبر أزمة نزوح في العالم. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تحول هذا الحلم الجميل إلى كابوس مفزع؟ الإجابة ليست في حدث واحد، بل لمسار طويل من الفرص الضائعة، والاختيارات الخاطئة، والبنى الهشة.
لا يمكن فهم حاضر السودان المأزوم دون العودة إلى جذوره التاريخية، وتحديداً فترة الحكم الثنائي البريطاني-المصري. لم يكن الاستعمار مجرد سلطة احتلال، بل كان مهندساً لخلق كيان هش. لقد رسم الاستعمار حدوداً سياسية جمعت بين أكثر من 570 مجموعة إثنية تتحدث 400 لهجة محلية، لم تعش يوماً ضمن كيان سياسي واحد. الأسوأ من رسم الحدود المصطنعة، هو أن الإدارة الاستعمارية اعتمدت سياسة “فرق تسد” بشكل منهجي، فعزلت الجنوب ثقافياً وإدارياً عن الشمال، وعملت على إحياء النعرات القبلية في الشمال. النتيجة كانت واضحة يوم رحيل الاستعمار: ورث السودانيون دولة بحدود جغرافية، لكنها تفتقر إلى الهوية الوطنية المشتركة والعقد الاجتماعي الجامع.
مع إعلان الاستقلال، انتقلت السلطة إلى نخبة الخرطوم التي تشكلت من الأحزاب التقليدية والعسكر. هذه النخب، بدلاً من أن تعمل على بناء دولة المواطنة المتساوية، كرست نفس النموذج المركزي الاستغلالي، محولة الدولة إلى أداة في يد “المركز” لاستغلال “الأطراف”. لم تكن المسألة مجرد تهميش اقتصادي، بل كانت إقصاءً سياسياً وثقافياً تمثل في مشروع “التعريب والأسلمة” القسرية التي تبنتها حكومات متعاقبة، وكانت بمثابة إعلان حرب على هويات وثقافات الأطراف. هذا الشعور العميق بالتهميش والإقصاء هو الذي غذى شرارة التمرد الأول في الجنوب عام 1955، قبل أشهر من الاستقلال نفسه، ليتحول لاحقاً إلى أطول حروب أهلية في القارة الأفريقية.
وإذا كان الإرث الاستعماري والنخب الفاشلة هما المرض المزمن، فإن الانقلابات العسكرية كانت الأزمات القلبية الحادة التي أوقفت نبض الحياة السياسية الطبيعية. منذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، أي بعد عامين فقط من الاستقلال، أصبح الانقلاب العسكري “خياراً” متكرراً في الحياة السياسية السودانية. من أصل 67 عاماً منذ الاستقلال، قضى السودان أكثر من 52 عاماً تحت حكم عسكري مباشر. كل انقلاب كان يأتي بلغة “الإنقاذ” والوعد بتصحيح المسار، لكن النهاية كانت دائماً واحدة: مزيد من التمركز في السلطة، ومزيد من القمع، ومزيد من الفساد، ومزيد من تمزيق النسيج الاجتماعي. تحول الجيش من مؤسسة وطنية مهمتها حماية الحدود إلى كيان طائفي-سياسي-اقتصادي، يدير الدولة كمزرعة خاصة، ويحتكر الثروة والسلطة.
لم تكن الحروب الأهلية في السودان مجرد أحداث منعزلة، بل كانت التعبير الأكثر دموية عن إخفاق مشروع الدولة نفسه. الحرب الأهلية الأولى بين الشمال والجنوب أسفرت عن مقتل 500,000 شخص، وتلاها الحرب الأهلية الثانية التي تسببت في مقتل 2.5 مليون شخص وتشريد 4 ملايين، وانتهت بتوقيع اتفاقية نيفاشا للسلام التي منحت الجنوب حق تقرير المصير، ليصوت لصالح الانفصال عام 2011، محولاً السودان إلى دولتين، ومفقداً الشمال 75% من عائداته النفطية. لكن شبح الحرب لم يرحل، ففي 2003، اندلعت حرب دارفور التي خلفت 300,000 قتيل وملايين المشردين. واليوم، نحن أمام حرب جديدة ولكن بين شريكي الحكم السابقين: الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، هذه الحرب التي تسببت في نزوح 9.1 مليون شخص ووفاة 15,000 حسب تقديرات الأمم المتحدة، لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل هي ذروة تحول الدولة إلى “مافيا” كبيرة، حيث تتصارع العصابات المسلحة على موارد البلاد تحت غطاء أيديولوجي زائف.
ومن المفارقات المأساوية في الحالة السودانية ذلك التناقض الصارخ بين وفرة الموارد وعمق الكارثة الإنسانية. فالسودان هو ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا بإنتاج سنوي 100 طن، لكن 80% من هذه الثروة تُهرب خارج البلاد عبر قنوات غير رسمية، لتغذي جيوب كبار القادة العسكريين وأصحاب النفوذ. كان السودان ينتج قرابة 500 ألف برميل نفط يومياً قبل انفصال الجنوب، لكن عائدات هذه الثروة ذهبت لتمويل آلة الحرب والفساد، بدلاً من بناء بنية تحتية حقيقية أو تنويع الاقتصاد، وانخفض الإنتاج إلى 60,000 برميل يومياً بعد الانفصال. الأراضي الزراعية الشاسعة، التي كانت سبباً في تسميته “سلة غذاء العالم”، تحولت إما إلى مشاريع فاشلة بسبب سوء الإدارة والفساد، بينما يعاني 25 مليون سوداني (أكثر من نصف السكان) من انعدام الأمن الغذائي الحاد. إنها إدارة “اللصوص” لا إدارة “الدولة”، وهو ما انعكس في وصول الدين الخارجي إلى 60 مليار دولار، والتضخم إلى 400% في 2024، وعيش 65% من السكان تحت خط الفقر.
لم يكن الانهيار اقتصادياً أو سياسياً فقط، بل كان شاملاً لمؤسسات الدولة والنسيج الاجتماعي معاً. فمؤسسات الدولة التي بُنيت بصعوبة خلال عقود، انهارت واحدة تلو الأخرى. القضاء فقد استقلاليته، والبرلمان تحول إلى ديكور، والمؤسسة العسكرية نفسها انشقت إلى فصائل متناحرة. الأكثر خطورة هو تفكك النسيج الاجتماعي نفسه تحت وطأة الحرب والجوع والتهجير، حيث أصبح 80% من المستشفيات خارج الخدمة في مناطق النزاع، و19 مليون طفل خارج المدارس. المجتمع السوداني الذي كان يعتمد على التماسك القبلي والعائلي كشبكة أمان اجتماعي، بدأ ينهار، وتحولت الجامعات إلى ماكينة لإنتاج اليائسين، يغادر الكثير منهم البلاد في هجرة غير شرعية محفوفة بالمخاطر.
في المشهد السوداني الحالي، تتواجد قوى إقليمية ودولية عديدة تدعم قوات الدعم السريع، وتدعم الجيش السوداني. لكن من الخطأ الفادح اعتبار هذه التدخلات هي “سبب” الأزمة. الحقيقة الأكثر مرارة هي أن هذه القوى لم تخترق دولة سليمة، بل وجدت “دولة فاشلة” بمعنى الكلمة، فضاءً سياسياً واقتصادياً فارغاً، فتدافعت لملئه. الدولة الفاشلة هي التي تفتح أبوابها للجميع، لأنها لم تعد تملك مفتاح بابها.
أمام هذا المشهد الكارثي، تبرز عدة سيناريوهات مستقبلية ممكنة. هناك سيناريو تشاؤمي يستشرف استمرار الحرب لسنوات مع تحولها إلى صراع إقليمي، وتفتت السودان إلى دويلات عسكرية وقبلية متحاربة، وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها. وهناك سيناريو واقعي يتوقع توقيع اتفاقيات سلام هشة تحت ضغط دولي، وتشكيل حكومات وحدة وطنية ضعيفة، واستمرار التوترات الأمنية والاقتصادية، واعتماد كامل على المساعدات الدولية. بينما يتمثل السيناريو المتفائل في إمكانية تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي عبر وقف إطلاق نار شامل، وعملية سياسية شاملة بمشاركة كل الأطراف، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الفدرالية اللامركزية، وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري. ولا ننسى سيناريو رابع محتمل يتمثل في تدخل دولي مكثف تحت الفصل السابع، مع إدارة دولية مؤقتة للسودان، ونزع سلاح الميليشيات، وإعادة بناء الجيش، وبرنامج إعمار دولي طويل الأمد.
الخروج من هذا النفق المظلم يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى مشروع وطني جديد يتجاوز كل إخفاقات الماضي. مشروع يقوم على الاعتراف بالتنوع مصدراً للقوة، وعلى العدالة في توزيع السلطة والثروة، وعلى بناء مؤسسات قوية تحمي الحقوق وتفرض الواجبات. يحتاج إلى وقف إطلاق النار فوراً تحت رقابة دولية صارمة، ومؤتمر وطني شامل يضم كل الأطراف بما فيها قوى المجتمع المدني، وفيدرالية حقيقية تضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة، وإصلاحاً جوهرياً للقطاع الأمني، ومصالحة وطنية حقيقية، ومشروع اقتصادي طارئ يركز على تأمين الغذاء والدواء. السودان ليس محكوماً عليه بالفشل، لكنه يحتاج إلى معجزة سياسية حقيقية، والأمل الوحيد هو في جيل جديد، لم يلوثه صراع الماضي، قادر على تعلم دروس التاريخ المريع وكتابة فصل جديد، يكون السودان فيه لأول مرة.. لجميع أبنائه
المصدر: العرب اللندنية الكاتب : علي قاسم
