بين مطرقة طائرات مسيّرة تترصد الأنفاس نهاراً، وسندان اعتداءات جنسية تتربص بالأجساد في عتمة الليل، باتت لقطرة الماء في مدينة “الأبيض” السودانية ثمناً غالياً؛ حيث وثق بيان لهيئة الأمم المتحدة للمرأة فصلاً مأساوياً من حصار خانق يحول أبسط تفاصيل البقاء إلى رعب مزدوج يلتهم حياة النساء والفتيات.
تستند هذه الصورة القاتمة إلى شهادات حية أدلت بها الضحايا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، لتكشف عن نمط ممنهج من الانتهاكات يعيد إلى الأذهان الفظائع ذاتها التي عاشتها مدينة الفاشر.
ولم تعد عتمة الليل في العاصمة الكردفانية ستاراً يحجب أعين القصف الجوي، بل تحولت إلى مصيدة مظلمة تُجبر الفتيات والنساء على الوقوع فيها، ليجدن التحرش والاعتداء الجنسي في انتظارهن عند محاولتهن جلب المياه بعد أن تعذر عليهن ذلك نهاراً بفعل المسيّرات التي تترصد نقاط التوزيع.
يتزامن هذا الوضع الإنساني المتدهور مع بلوغ موسم الأمطار ذروته، مما ينذر بكارثة صحية مضاعفة وسط مخاطر تفشي الأوبئة الفتاكة والمنقولة بالمياه، لا سيما مع تسجيل أكثر من 1,330 حالة إصابة بوباء الكوليرا في البلاد.
وتأتي هذه الأزمة في وقت قفزت فيه أعداد النساء والفتيات اللواتي يحتجن لخدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان لتصل إلى 12.7 مليون امرأة وفتاة، في مؤشر صادم يعكس عمق المأساة الميدانية.
ومع تفاقم هذه الاحتياجات الحيوية، يواجه جدار الحماية الأخير انهياراً متسارعاً نتيجة تقليص التمويل الإنساني، مما أدى إلى إغلاق وتراجع أنشطة نحو ثلثي المنظمات النسائية المحلية والمساحات الآمنة المخصصة لدعم الناجيات في السودان.
