منذ فجر التاريخ، شكّلت الطبيعة الإطار الأول لحياة الإنسان، وكانت العلاقة بينهما قائمة على التوازن والانسجام، حيث اعتبر الإنسان نفسه جزءًا من المنظومة الطبيعية، لا سيّدًا عليها ولا منفصلًا عنها.
وفي هذا السياق، تذهب بعض التيارات الإيكولوجية المعاصرة التي تأخذ البيئة كمسؤولية أخلاقية، إلّى أنّ الطبيعةَ مرتبطةٌ بكلِّ شيءٍ من الإنسان إلى أصغر الكائنات، وهي التي تعطي الحياةَ للكوكب، مؤكدةً أّنّ المواردَ الطبيعيةَ الموجودةَ في الكوكب تكفي لكلِّ الكائناتِ إذا تمّتِ الاستفادةُ منها في إطار الاحتياجِ الإنساني دون استغلالها أو استنزافِ قدراتِها .
تقارير بيئية أممية تشير إلى أنّ ما وصل إليه الكوكب من ارتفاعِ درجاتِ الحرارة واتّساعِ رقعةِ الاحتباس الحراري كانا بفعل الأنشطةِ البشريةِ، مشيرةً إلى أنّ التطور الصناعي جعل تحقيقَ الربحِ أولويةً على حسابِ البيئةِ والإنسان.
ووَفقَ هذهِ الرؤية، يؤكِّدُ المفكّر عبد الله أوجلان أنّ ما وصلتْ إليه الصناعةُ والرأسمالية من التوسّعِ الصناعي، والاستهلاكِ المُفرِطِ للمواردِ الطبيعية، والاعتمادِ على الوقود الأحفوري، كانت سبباً في زيادةِ انبعاثاتِ الغازاتِ الدفيئة، وتفاقمِ التغيّرِ المناخي، وتراجعِ التنوّعِ الحيويّ، وارتفاعِ معدّلاتِ التلوّث، الأمرُ الذي دقَّ ناقوسَ الخطرِ على كوكب الأرض، مشيراً إلى أنّ الأزمةَ البيئيةَ ليستْ أزمةً تِقْنِيّةً فحسب، بل هي أزمةٌ أخلاقيةٌ واجتماعية، نتَجَتْ عن اغترابِ الإنسانِ عن الطبيعةِ وعن القِيَمِ التي قامتْ عليها المجتمعاتُ الأولى.
ومن هذا المنطلقِ يدعو أوجلان لإعادةِ بناءِ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والبيئةِ عَبْرَ ترسيخِ الوعيِ الإيكولوجي، وتعزيزِ دورِ المرأةِ في المجتمع، واعتمادِ اقتصادٍ مجتمعيٍّ يلبّي احتياجاتِ الإنسانِ دون استنزافِ المواردِ الطبيعيّة، إلى جانبِ التوسّعِ في التّشجير، واستخدامِ التِّقْنِيَّاتِ الصديقةِ للبيئة، وتعزيزِ المشاركةِ المجتمعيةِ في حمايةِ الطبيعة، معتبرًا أنّ المواردَ البيئيّةَ تكفي البشريةَ جَمعاءَ إذا ما تمَّ استغلالُها بشكلٍ سليمٍ دونَ التعدّي عليها.
وفي المحصِّلةِ تُلخِّصُ التياراتُ الفكريةُ المعاصرة ما وصلتْ إليه الطبيعةُ من أزمةٍ بيئيةٍ على أنها ليستْ عَرْضاً، بل نتيجةٌ لنمطِ حياةٍ قائمٍ على الاستهلاكِ والسيطرةِ وازدواجيةِ “الإنسان مقابلَ الطبيعة”.
يتطلّبُ الحلُّ تغييراً في الوعيِ والاقتصادِ والثقافةِ، نحوَ البساطةِ الطّوعيةِ، والاقتصادِ الدائري، والحياةِ المُستدامَة.
