على خلفية اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، ونتيجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السوري السابق بحق المدنيين، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية قانون “قيصر” عام 2019 كأداة عقابية على النظام والذي جاء اسمه تيمناً بشخصية أطلق عليها لقب “القيصر”، بعدما سرب صوراً تدين جرائم النظام بين 2011 و2014.
بعد سقوط النظام في أواخر 2024، بدأت ملفات العقوبات تتغير وتتحلحل تدريجياً، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أيار/ مايو 2025 رفع العقوبات عن سوريا.
في نهاية حزيران يونيو من العام الجاري، وقع ترامب أمراً تنفيذياً لإنهاء العقوبات بهدف دعم جهود إعادة الإعمار وبناء “سوريا لا توفر ملاذًا للتنظيمات الإرهابية”، حسب تعبيره، رغم أن هذا الأمر لم يتطرق بشكل مباشر إلى قانون قيصر.
شهد مجلس الشيوخ الأمريكي في 10 تشرين الأول / أكتوبر الجاري، تصويتاً لصالح مادة تقضي بإلغاء قانون قيصر ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، وهو القرار الذي استقبلته الحكومة الانتقالية السورية بترحيب رسمي كبير. ويُعد هذا الإلغاء تحولاً جوهرياً في سياسة واشنطن تجاه الملف السوري، لكنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات اقتصادية واستراتيجية حاسمة داخل الشارع السوري.
ومع هذا الحماس الرسمي، لا تزال واشنطن تتعامل بحذر، إذ لا يزال الطريق أمام إلغاء القانون غير مكتمل، حيث يتطلب الأمر مزامنة النص بين مجلسي النواب والشيوخ وتوقيع الرئيس ترامب على القانون ضمن موازنة الدفاع، ما يعني أن الإلغاء لم يتحقق بشكل نهائي بعد.
صراع ما بعد قانون قيصر
رغم التفاؤل في الأوساط السورية الانتقالية، تُثار تحذيرات من تداعيات اقتصادية خطيرة قد تترتب على رفع العقوبات دون وجود خطة مدروسة.
مستشار وزير الاقتصاد في الحكومة الانتقالية، جورج خزام، وصف رفع العقوبات بـ”النقطة التحولية التاريخية”، لكنه نبه إلى خطر “الصدمة التجارية” التي قد تطيح بما تبقى من الصناعة الوطنية إذا لم تُحمَ الأسواق من فيضان السلع الأجنبية الرخيصة.
وأضاف خزام أن رفع العقوبات لن يؤدي تلقائياً إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية، مشيراً إلى أن المستثمرين سيتريثون حتى تتضح معالم البيئة القانونية والمالية وتستقر الأوضاع الأمنية في البلاد.
العقوبات والمسار السياسي في أمريكا
بالرغم من تصويت مجلس الشيوخ، لم يحظ إلغاء قانون قيصر بتوافق كامل داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، حيث رفضت لجنة مختصة في مجلس النواب تعديل موازنة الدفاع لإدراج المادة، ما يشكل عقبة أمام إقرار القانون نهائياً قبل نهاية العام.
وفي سياق متصل، قدّم عضوان في مجلس الشيوخ، “جين شاهين” من الحزب الديمقراطي و”راند بول” من الحزب الجمهوري، مشروعاً موازياً لإلغاء قانون قيصر مع الحفاظ على إجراءات مساءلة فردية ضد مسؤولين سوريين متهمين بانتهاكات، مما يعكس الانقسام السياسي في الولايات المتحدة تجاه الحكومة الانتقالية.
إلغاء قانون قيصر.. بداية اختبار جديد للحكومة الانتقالية السورية
يرى مراقبون أن إلغاء قانون قيصر، رغم رمزيته وتأثيره الإيجابي المباشر على حياة السوريين، لا يعني نهاية الأزمة الاقتصادية في البلاد، بل يشكل اختباراً جدياً لقدرة الحكومة الانتقالية وبداية مرحلة تتطلب إدارة معقدة تضم إصلاحات هيكلية، وإعادة بناء الثقة في الأسواق المحلية، وتهيئة بيئة استثمارية آمنة، وهذا ما تفتقد إليه الحكومة السورية.
فبين التفاؤل الرسمي، والتحذيرات الاقتصادية، والتعقيدات السياسية في واشنطن، يقف الاقتصاد السوري على مفترق طرق حاسم قد يحدد ملامح العقد المقبل، إما نحو انفتاح منظّم يقود إلى التعافي، أو نحو فوضى اقتصادية تزيد من أزمات البلاد وتعقّد مستقبلها.
