عندما قال الفيلسوف اليوناني طاليس الذي عاش ما بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد إنّ الماء هو الحياة، فهو أصاب عين الحقيقة، ولم يجانبه الصواب، فقرب المجمعات المائية شُيّدت حضارات، وعلى الماء نشبت حروب، وصراعات، توقف بعضها، وبعضها ما زال مستمراً إلى يومنا هذا.
ما سبق هو مدخلنا لرؤية تعامل النظام التركي مع أزمة المياه التي تعاني منها مدينة إسطنبول، تلك المدينة الفريدة من نوعها، فهي تقع في قارتين مختلفتين، هما آسيا وأوروبا، وتطل على مضيق البوسفور الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة.

في الآونة الأخيرة زادت حدة التحذيرات التي يطلقها خبراء لسكان إسطنبول بضرورة ترشيد استهلاك مياه الشرب، خاصة مع نقص المياه المخزنة في السدود الـ 11 المحيطة بالمدينة، والتي تمتلئ عادة بمياه الأمطار، التي يبدو أن التغيرات المناخية ستقلل من كمية هطولها شيئاً فشيئاً، هذا العام والأعوام التالية فيما بعد.
لكن التغيرات المناخية ليست السبب الوحيد في أزمة المياه التي تهدد أكثر مدن تركيا اكتظاظاً بالسكان، فعمليات تشييد الطرق السريعة والمدن، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، لها الأثر البارز في زيادة القلق لدى الخبراء المائيين، إلى جانب استنزاف المياه وتدمير النظم الهيدرولوجية مثل الجداول والأنهار والأراضي الرطبة، بسبب مشاريع البنية التحتية المائية غير المستدامة، مثل محطات توليد الطاقة الكهرمائية.

كما أن تخوفات النظام التركي من ملء خزانات مياه سدود إسطنبول، لها حصة في حدوث الأزمة، فبعد الزلزال الذي ضرب البلاد في شباط/ فبراير الفائت، أفرغت السلطات كميات كبيرة من خزانات السدود في المنطقة المتضررة، مع الامتناع عن ملئها للحد الأقصى، وهو ما تفعله الآن في سدود المدينة.
التخوف هذا مرده أن إسطنبول تقع بالقرب من الصدع الأناضولي الشمالي، حيث تصطدم الصفيحتين الإفريقية والأوراسية ببعضهما البعض على الدوام، وهو ما يجعلها مهددة بوقوع زلازل عنيفة، كان آخرها عام 1999، عندما ضربها زلزال أسفر عن قرابة 20 ألف قتيل.

تخوف آخر من نوع آخر يسيطر على جيران تركيا، سوريا والعراق، فهما حالياً يعانيان الأمرين من السياسة المائية للنظام التركي القائمة على تقليص حصصهما من مياه نهري الفرات ودجلة، اللذين ينبعان في تركيا ويصبان في العراق.
فالنظام التركي لا يتوانى عن استعمال مياه الأنهار كسلاح لفرض شروطه على دول الجوار، رغم الاتفاقيات التي تنص على حصول كل من سوريا والعراق على حصصهما من مياه النهرين اللذين يعدان شريان الحياة للبلدين المهددين بالتصحر والجفاف خلال أعوام قليلة.
وازدادت مخاوف البلدين مع إعلان وزارة الزراعة التابعة للنظام التركي إطلاق استراتيجية جديدة وخطة عمل في إطار مناخي متغير، في بلد وصفته الوزارة بأنه غير غني بمياه الشرب والزراعة، على الرغم من أن تركيا محاطة بالمياه من ثلاث جهات، ويجري على أراضيها اثنان وعشرون نهراً وعشرون جدولاً موسمياً، وفيها سبع بحيرات تصنّف كبيرة.
وبالتزامن مع بدء العمل بالاستراتيجية التي تقول وزارة الزراعة إنّها تشمل الأعوام الـ100 المقبلة، بهدف استغلال الموارد بشكل أمثل، يمضي النظام قدماً في خطة بناء ألف سد خلال عشرين عاماً.
وهذا يزيد مخاطر الجفاف التي تهدد دول جوار تركيا، لا سيما سوريا والعراق، اللذان يبدو أنهما المتضرر الأكبر، من الخطط الاستراتيجية لجارتهما التي تتحكم بمياه الأنهار القادمة إليهما.
