رئيس النظام التركي رجب أردوغان، هو أفضل من يجيد الاستثمار في النزاعات المزمنة والأزمات السياسية والعسكرية، عبر دغدغة مشاعر العوام من بعض الجماعات القومية أو الدينية، إزاء شواغلها السياسية والاجتماعية وقضاياها المصيرية، من خلال الخطب والتصريحات الشعبوية، التي تخدم أجنداته السياسية ومصالحه الشخصية.
ولذلك أدلة كثيرة لعلّ أبرزها السنوات الطوال من متاجرته بالقضية الفلسطينية، مستغلاً تقلب محطاتها تبعاً للظروف والمستجدات الدولية، لتحقيق مكاسب منها أولاً الشعبية الداخلية في بلد غالبية سكانه مسلمون يؤيدون الحقوق الفلسطينية، وثانياً زعامة روحية إقليمية، لمنظومة تطالب فيها بعض التيارات الإسلاموية شعاراتياً فقط بتحرير فلسطين، بينما تناصب العداء أي حركة تحررية، تعمل فعلياً على مناصرة هذه القضية.
فأردوغان الذي انسحب في كانون الثاني يناير عام ألفين وتسعة من جلسة بمنتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا، بعد مشادة كلامية مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حول غزة، وما تبعه من تجييش إعلامي شعبوي لتلك الحركة التي صورتها أنقرة على أنها موقف بطولي يدعم قضية الشعب الفلسطيني، عاد عام ألفين وستة عشر للقول إن “إسرائيل بحاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة، وعلينا أيضاً القبول بحقيقة أننا نحن أيضاً بحاجة لإسرائيل”.

وذلك قول له من المواقف التاريخية ما يؤكد أن أردوغان أقرب إلى إسرائيل منه إلى الفلسطينيين الذين يستثمر بمآسيهم، مواقف منها زيارة أردوغان عام ألفين وخمسة قبر مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل، ووضع إكليل من الزهور عليه، مشيداً بإسرائيل والعلاقات الدائمة لليهود مع تركيا، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي إرائيل شارون، الذي رحب بزيارة أردوغان للقدس، وقال إنها عاصمة إسرائيل الأبدية.
لكن البراغماتية التي تطبع علاقات أنقرة مع تل أبيب أوضح من محاولات تغليفها بمنظور أخلاقي عبر البروبوغاندا الشعبوية لرئيس النظام التركي رجب أردوغان إزاء ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فتركيا الثانية بعد أمريكا التي تحتضن أكبر مصانع أسلحة الجيش الإسرائيلي، ويتبادل الطرفان الطيارين العسكريين ثمان مرات في السنة بموجب اتفاق عسكري، كما أن إسرائيل هي من أهم الأسواق الخمسة للبضائع التركية.
واليوم يعود أردوغان الذي كانت بلاده أول من اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبارك مشاركة شركة تركية في بناء السفارة الأمريكية بتل أبيب إلى ممارسة هوايته المعتادة بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية، من بوابة الغارات الإسرائيلية على غزة، بالقول إن أي حرب تعتمد على قطع الماء والكهرباء والطرق والتدمير تسمى مجازر، وهو قول حقّ أريد به باطل، لتزامنه مع تعمد الاحتلال التركي وبشكل علني، استهداف المدنيين وتدمير منشآت البنية التحتية الحيوية، وخاصة الماء والكهرباء في معظم مناطق شمال وشرق سوريا.
