شهدت محافظة السويداء خلال الفترة من 13 إلى 23 تموز الماضي سلسلة من الأحداث المأساوية التي أعادت رسم المشهد السياسي السوري بصورة جلية، كاشفة هشاشة الدولة المركزية القائمة وحجم التحديات التي تواجهها.
هذه التطورات جاءت في ظل تصاعد التوتر بين السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع والمكونات المحلية، وعلى رأسها المكون الدرزي الذي أعلن تشكيل “مكتب تنفيذي” لإدارة شؤون السويداء بشكل مستقل عن السلطة المركزية، في خطوة تشير بوضوح إلى اتجاه نحو حكم ذاتي محلي.
تزامن ذلك مع انعقاد مؤتمر “وحدة الموقف” لمكونات شمال شرق سوريا في الحسكة، الذي طالب بدستور ديمقراطي جديد يضمن حقوق جميع المكونات العرقية والدينية، ويرسخ نظاماً لا مركزياً يضمن التعددية السياسية.
هذا الطرح وجد صدى واسعاً خاصة بعد فشل الحكومة الانتقالية في استيعاب مطالب المكونات المحلية، واستمرارها في تبني سياسات الإقصاء والتحريض الإعلامي ضدها، مما دفع حكومة دمشق المؤقتة إلى إلغاء اللقاء المرتقب بينها وبين وفد الإدارة الذاتية في باريس.
يرى خبراء ومحللون أن أحداث السويداء لم تغلق فقط الباب أمام إمكانية تشكيل حكومة سورية ذات سلطة مركزية موحدة، بل كشفت بوضوح أن استمرار هذا النموذج يعني إعادة إنتاج الانقسامات والأزمات المستمرة.
فوجود سلطات وأجهزة أمر واقع في مناطق متعددة، إلى جانب قوى محلية مسلحة تتمتع بقاعدة شعبية، جعل فرض سلطة مركزية تقليدية من دمشق أمرًا شبه مستحيل.
في ظل هذه المعطيات، تبرز اللامركزية كنموذج قد يكون المخرج الوحيد من دوامة الصراع السوري المستمر. فاللامركزية تتيح لكل منطقة إدارة شؤونها الأمنية والإدارية والخدمية، مع الحفاظ على وحدة البلاد على المستوى السيادي.
ويؤكد مؤيدو هذا النموذج أنه ليس تقسيماً للدولة بل وسيلة لضمان مشاركة جميع المكونات في صنع القرار، وتفادي تكرار المآسي التي شهدتها مناطق عدة مثل الساحل، جرمانا، صحنايا، وصولاً إلى السويداء.
اليوم، تقف سوريا عند مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في الإصرار على نموذج الدولة المركزية الذي فشل في تحقيق الاستقرار، أو الانخراط في حوار وطني شامل يقود إلى نظام لا مركزي حقيقي يمنح السلطات للمجتمعات المحلية، ويضع حداً للنزيف المستمر منذ أكثر من عقد.
وفي ظل غياب الثقة بين مكونات المجتمع السوري، يظل خيار اللامركزية الحل العملي والواقعي الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الدولة، ومنع انزلاق البلاد نحو صراع مفتوح لا نهاية له.
فيسبوك أيضاً
