
الكاتب: نبيل عمرو
لم يسبق أن أثار اغتيال سياسي على كثرة هذا النوع من الاغتيالات، ما أثاره مقتل الجنرال قاسم سليماني من ردود فعل شملت العالم بأسره، ولأن الصدمة كانت مفاجئة وشديدة القسوة، فإن ردود الفعل على صعيد «أهل الفقيد» أولاً جاءت مهتاجة وفي حالات عديدة خارج المنطق المألوف.
أما على صعيد القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة بالوضع الإيراني وامتداداته وساحات عمله، فقد جاءت مواقفها المعلنة متحدة على مصطلح يُستخدم عادةً في ظروف من هذا النوع «التحذير من التصعيد والطلب من كل الأطراف ضبط النفس».
وعلى الجانب الأميركي يبدو أن الدولة العميقة التي يقف على رأسها ترمب تعودت على مفاجآته، وقبلت ولو على مضض تجاوزاته للمؤسسات التي حكمت السياسات الأميركية داخلياً وخارجياً، وكان لها رأي حاسم حتى في الأمور الأقل من الذهاب إلى حدود الحرب، فالمؤيدون لأي قرار يتخذه الرئيس تنازلوا عن حقهم في المعرفة المسبقة، أما المعارضون فيكتفون بالتنديد ضمن حدود ما يخدم سجالهم الداخلي مع وليس بما يعيق تنفيذ سياساته وقراراته، ومثلما تعود الأميركيون على طريقة رئيسهم في العمل واتخاذ القرارات فإن على أصدقائهم وحلفائهم التعود على ذلك.
بالنسبة إلى العراق اختارت إدارة ترمب أن يكون هو الساحة الأسخن لترويض الخصم الإيراني، ما وضع الطبقة السياسية الحاكمة هناك أمام إحراجات لها أول وليس لها آخر… معنوياً فإن معظم إن لم يكن جميع وجوه وأركان هذه الطبقة ما كان لهم أن يصلوا إلى سدة الحكم لولا التبني الأميركي لهم حد نقلهم على أجنحتها إلى البلد الذي كانوا محرومين من مجرد زيارته.
مطلوب من الإيرانيين ليس هضم ما لا يمكن هضمه ولا الإذعان لمعادلة القوة الأميركية المتفوقة، فهذا أمر لا قِبل لهم به بل ويتنافى مع الأدبيات التي بُني الوعي الإيراني عليها منذ اندلاع ثورة الخميني حتى أيامنا هذه، بل المطلوب دقة في الحسابات ودقة في اختيار ساحات المواجهة ودقة كذلك في حجم الرد، ذلك إن المعركة الراهنة وفي حال فقدان السيطرة مما قد يؤدي إلى اتساعها، فإن الفرز المتسرع بين معسكر «المع» و«الضد» سيكون وبالاً على أهل المنطقة أكثر منها على الأميركي.
ظهر في ساعات الصدمة الأولى مصطلح إشعال المنطقة، وهذا المصطلح وإن كان يقلق أهل المنطقة الذين لا ناقة لهم ولا جمل في مقتل سليماني إلا أنه يقرع جرس إنذار في غرف صناع القرارات من القوى الأكبر من إيران، تلك القوى التي تعمل على إنضاج مصالحها وفق حساباتها وليس وفق اشتعال قام به غيرهم.
كانت الصدمة شديدة ومؤلمة إلا أن ما يحتاج إليه الجميع هو دقة الحسابات وواقعية القرارات.
