
الكاتب: رستم محمود
يلاحظ السوريون المقيمون في تركيا، أكثر من غيرهم، ملامح التحولات الشديدة التي تصيب الاستراتيجية التركية تجاههم وتجاه مسألتهم السورية. فما كان عموميا ومتعلقا بما كان سوريون يبررونه للسلطة التركية كروابط ومصالح الدول”، صار اليوم ملاحظا بوضوح على مستوى تعامل الدولة والسلطة التركية مع ملايين الأفراد السوريين اللاجئين في تركيا.
ثمة ملمح أسدي في كامل طيف السياسيات والتوجهات والخطابات التركية الحديثة تجاه السوريين ومسألتهم. يتمثل بأربعة زوايا متكاملة، متأتية ومطابقة لصميم المنطق والاستراتيجية الأسدية في التعامل مع أية قضية أو ظاهرة إقليمية، كانت الأسدية تعتبر نفسها راعية لها، مثلما تعتبر تركيا نفسها راعية للسوريين ومسألتهم.
في سياسة أردوغان الراهنة ميل كبير للإيحاء بأنه ثمة مؤامرة ما كبرى تستهدف تركيا ونظامها الحاكم. يبدأ طيف المتآمرين من نظام الأسد، ويمر بمصر ودول الخليج العربي وإيران، ولا ينتهي بإسرائيل والدول الأوروبية والولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية. شيء مطابق للمؤامرة الكونية التي تستهدف الأسدية!
استراتيجية تركيا التي تصدح منذ سنوات بخطابات دعم الربيع العربي والقيم الديمقراطية، أضافت إليها في المحطة السورية الكثير من أنغام وحدة صف المسلمين السنة ونصرة المظلومين والصراعات الطائفية وأوهام أبناء العثمانية الواحدة؛ كانت تمارس فعليا عملية “تجارة” كبرى بالسوريين وقضيتهم ومصالحهم. وبالدرجة الأولى مع من كانت تعتبرهم أعداء السوريين أنفسهم، من روسيا وإيران، وحتى النظام السوري نفسه.
هذان العاملان الأخيران، العدو الوظيفي ومصلحة سلطة الحكم، هما جوهر الحكاية الأردوغانية مع السوريين ومسألتهم، ودون وعي عميق من السوريين من أنصار أردوغان لها، وما أكثرهم، سيبقون أسرى تلك السياسات، ولن يتمكنوا من تحقيق شيء لقضيتهم.
تطفح الأسدية بأمثلة لا تعد عن هذين العاملين الجوهرانيين، عن استخدامها ولعبها عليهما، العدو الوظيفي وأولوية سلطة الحكم. فالأسدية كانت تريد من الفصائل الفلسطينية أن تؤمن بأن الخطر الداهم على قضيتهم هو ياسر عرفات وليس أي شيء آخر، وللبنانيين أن يؤمنوا بأن رفيق الحريري وسمير جعجع والبطريرك نصرالله صفير هو مشكلة لبنان، وللعراقيين والأردنيين أشياء من ذلك، وأن يؤمنوا فوق ذلك بأن الأسدية تساندهم فقط لتطلعات وقيّم قومية وأيديولوجية ونضالية، لا لأنهم أدوات لهيمنة هذه النظام وتوازناته السياسية مع محيطه، ولإدامة سلطته.
تريد الأردوغانية أن يؤمن السوريون من أنصارها بأن كُرد سوريا هم عدوهم الجوهري والرئيسي، وأنهم يجب أن يسخروا كل شيء في سبيل تحطيمهم، وأن الأردوغانية تسعى لذلك خدمة للشعب السوري ومصالحه.
هل من اسم لذلك المنطق والمسعى سوى الأسدية الطافحة!
