السودان ومغامرات العسكر
الكاتب: خير الله خير الله

وضع المجلس العسكري في السودان بالاتفاق مع ممثلي الحراك الشعبي الأسس لمرحلة جديدة يمكن للبلد أن ينتقل إليها في حال سارت الأمور حسب الخطة المرسومة. هذا يعني انتقال السودان، في غضون ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، إلى مرحلة يكون فيها نظام عصري يقوم على التداول السلمي للسلطة في ظلّ دولة مدنية. يستأهل السودان أن يستقرّ أخيرا على نظام سياسي قابل للحياة يسمح باستغلال الثروات الطبيعية للبلد في ظلّ دولة القانون، بدل دولة العسكر أو الميليشيات الإسلامية أو الأحزاب الانتهازية الفاسدة المتنافسة فيما بينها على فتات السلطة.
قام السودان بخطوة كبيرة في اتجاه الخروج من الوضع الذي وجد نفسه فيه. كان لا بدّ من تجاوز الحراك الشعبي لعقدة العسكر، كما كان لا بدّ للعسكر من استيعاب أنّ لا مستقبل لهم إذا كان طموحهم سيظلّ محصورا في ممارسة السلطة على طريقة إبراهيم عبّود أو جعفر نميري أو عمر حسن البشير. ليس لدى العسكر في هذا العالم، إلا إذا استثنينا قليلين جدّا منهم، أيّ مشروع سياسي أو اقتصادي أو حضاري قابل للحياة. هذا ما أثبتته تجارب السنوات الطويلة التي حكموا فيها السودان.
إلى الآن، ساروا في طريق التعقل والمنطق. لا يستطيع العسكر تسيير البلد على طريقة البشير، ولا يستطيع المدنيون وحدهم تولّي شؤون السودان. ما حصل كان تسوية معقولة بعيدا عن التهوّر، علما أن ما ينقص السودان حاليا هو ظهور قيادة مدنية مسؤولة تستطيع بلورة مشروع سياسي للمستقبل.
في تاريخ السودان الحديث عدد لا بأس به من السياسيين المتميّزين الذين برزوا على الصعيدين الداخلي والعربي. كان هؤلاء مختلفين جذريا في كلّ شيء عن كلّ ما كان يمثّله النميري والبشير. هل من مجال لظهور شخصية في مستوى إسماعيل الأزهري أو أحمد محمّد محجوب على سبيل المثال وليس الحصر… أم أنّ السنوات الثلاثين التي قضاها عمر حسن البشير في السلطة كانت كفيلة بالقضاء على أي أمل في قيام جيل من المثقفين يمكن أن يخرج منه سياسي مختلف لديه رؤية مستقبلية؟
