إعداد: أحمد حسن
من عقيدة مونرو إلى وسم المضيق
في 28-29 سبتمبر/أيلول 2026، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خريطتين. الأولى تُبرز نصف الكرة الشمالي مع تشديد على غرينلاند، والثانية خريطة للخليج وُضع فيها مضيق هرمز داخل دائرة مع وسم “مضيق ترامب”. ولم يكن هذا التوقيت مصادفة؛ إذ جاءت الخريطة الأولى مباشرة بعد توقيع اتفاق أمني بشأن غرينلاند مع رئيسة وزراء الدنمارك ورئيس وزراء غرينلاند على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. فوُقِّع التفويض على الطاولة أولاً، ثم أُعلن التملك على الخريطة.
أما الخريطة الثانية فتأتي امتداداً لتصريح الثاني من سبتمبر/أيلول: “المضيق تحت السيطرة الأمريكية، ويمكن أن أقترح تغيير اسمه“. وقد كان ترامب قد حوّل خليج المكسيك بمرسوم رئاسي إلى “خليج أمريكا“، وفرض الاسم على خرائط غوغل وآبل للمستخدمين الأمريكيين.
ويُظهر ذلك منهجاً واحداً متكرراً: انشر خريطة، ثم ضع اسماً، ثم طبّع السيطرة الفعلية. فالتسمية في العلاقات الدولية تُعدّ الخطوة الأولى لادعاء السيادة، تماماً كما رسم الأوروبيون خرائط أفريقيا بالمسطرة في العصر الاستعماري.
الخلفية التاريخية — عقيدة مونرو وتطورها
جيمس مونرو هو الرئيس الخامس للولايات المتحدة (1817-1825). وفي الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1823، أعلن في رسالته إلى الكونغرس: “على القوى الأوروبية ألا تُنشئ مستعمرات جديدة في القارة الأمريكية، ونحن لن نتدخل في شؤون أوروبا”.
1823-1898 عقيدة ضعيفة مُعلنة
كانت الولايات المتحدة في 1823 جمهورية فتية: عشرة ملايين نسمة وجيش نظامي قوامه عشرة آلاف جندي. وقد جاءت فكرة العقيدة من وزير الخارجية البريطاني جورج كانينغ، نظراً لرفض بريطانيا عودة إسبانيا إلى أمريكا اللاتينية. أي إن إعلان مونرو الأول وُلد من الضعف لا من القوة. ولم تُستخدم العقيدة استخداماً جديّاً سوى مرتين خلال خمسة وسبعين عاماً: إخراج فرنسا من المكسيك عام 1865، وإجبار بريطانيا على التحكيم في أزمة فنزويلا عام 1895؛ فكانت انعكاساً دفاعياً لا هجومياً.
1904-1933 من الحارس إلى الشرطي
أضاف الرئيس ثيودور روزفلت عام 1904: “سوء السلوك المزمن في نصف الكرة الغربي قد يتطلب تدخل الولايات المتحدة كقوة شرطة دولية“. وهكذا تحولت العقيدة من الدفاع إلى الهجوم ووُلِد معه مفهوم ” الإمبريالية اليانكية” ويُستخدم لوصف التوسع والتدخل الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي وما وراءه، وترجمت على الأرض تدخلها في: بنما (1903)، وكوبا (1906)، ونيكاراغوا (1912)، وهايتي(1915) وهي دولة جزيرية في غرب جزيرة هيسبانيولا في الكاريبي، أكثر من 95% من سكانها ذوو أصل أفريقي، وهي أول جمهورية سوداء تأسست عام 1804على أثر ثورة العبيد عام 1791، والدومينيكان (1916).
1947-1989: عولمة مونرو وانتفاضة العالم
بعد الحرب العالمية الثانية انهارت الإمبراطوريات الأوروبية، وتنظمت حركات التحرر الوطني والاجتماعي، لا سيما في أمريكا اللاتينية، في مواجهة الحداثة الرأسمالية والاستعمار. وكان الهدف: الإصلاح الزراعي، وتأميم المناجم، ورفض القواعد الأجنبية. وقد كانت أمريكا اللاتينية في الطليعة: ثورة غواتيمالا 1944، وبوليفيا 1952، وكوبا 1959، والبيرونية في الأرجنتين، وأليندي في تشيلي؛ وكلها تحدّت إمبراطورية الشركات الأمريكية (يونايتد فروت، وأناكوندا كوبر).
قرأت واشنطن ذلك على أنه “شيوعية”، فأعلن الرئيس هاري ترومان عام 1947 عولمة العقيدة: “محاربة الشيوعية في كل مكان“. وأُطيح بالرئيس الغواتيمالي أربينز بعملية لوكالة المخابرات عام 1954، ثم خليج الخنازير 1961، واحتلال الدومينيكان باثنين وأربعين ألف جندي 1965، ودعم انقلاب بينوشيه على أليندي 1973، وغزو غرينادا 1983.
وكانت 1968 الذروة: متاريس باريس، ومجزرة تلاتيلولكو في المكسيك، ومقاومة براغ، ومسيرات مناهضة فيتنام في أمريكا. فقد ردّت الحركة الشبابية العالمية بشكل متزامن على هراوة مونرو. وأصبح مقتل تشي غيفارا في بوليفيا عام 1967 رمزاً لتلك المرحلة. ولم تكن تلك الفترة “حرب أمريكا على الشيوعية” فحسب، بل صراعاً بين من أرادوا التحرر ومن حوّلوا مونرو إلى هراوة شرطة.
1991-2016: إعلان الوفاة
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن وزير الخارجية جون كيري عام 2013 “انتهاء عهد مونرو”، واقترح أوباما شراكة متكافئة.
2017-2026: ترميم المواد الخام
قال ترامب عام 2019: “لنشترِ غرينلاند”، وفي 2026 حلّ الاتفاق الأمني ثم التملك على الخريطة محل الشراء. فمونرو القديمة كانت أيديولوجية، والجديدة تاجر مواد خام. والهدف ليس تغيير الأنظمة بل السيطرة على الصمامات عبر وكلاء.
تشريح الجبهتين
- غرينلاند: بديل عن الصين
لا يعمل الاقتصاد الحديث دون المعادن النادرة؛ فالسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، ومقاتلات إف-35، والصواريخ، جميعها تحتاج النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم. ويجعل الترابط العالمي هذه المعادن ضرورة حتمية لعلاقات الإنتاج.
واليوم يتركّز 60% من الاستخراج و90% من التكرير في الصين، حتى إن الولايات المتحدة تشتري مغناطيس صواريخها من خصمها. ومن هنا تكتسب احتياطيات كفانفييلد وتانبريز في غرينلاند (1.5 مليون طن) أهمية بالغة، بوصفها بوليصة التأمين لكسر هذا الاعتماد. ويُسهّل ذوبان الجليد الوصول إليها، كما يختصر الطريق القطبي بين شنغهاي وروتردام سبعة أيام.
أما الخطة الأمريكية فتتضمن: توسيع قاعدة بيتوفيك، وتجاوز الفيتو الدنماركي عبر الاتفاق الأمني، وفتح المناجم لكونسورتيوم أمريكي-أسترالي. والرسالة الموجّهة إلى بكين وموسكو واضحة: لا دخول للممر الشمالي دون إذن.
- هرمز: صمام الطاقة
يمرّ عبر مضيق هرمز 20% من نفط العالم وثلث تجارة الغاز المسال، وأضيق نقطة فيه 33 كم. ويؤدي وسم “مضيق ترامب” ثلاث وظائف: ردع إيران، وطمأنة الملكيات الخليجية بأن “أمنكم بيدي”، وتطبيع السيطرة عبر التسمية.
ارتباط الخريطتين بحرب الممرات
لا يوجد ممر في الشرق الأوسط يعود لدولة واحدة. فطريق التنمية وجميع المشاريع تُموَّل بشراكة قطرية-إماراتية-سعودية، وتركيا ليست الفاعل الوحيد بل الذراع البرية للتحالف.
والصورة أن الولايات المتحدة مع حلفائها في الناتو وشركائها الخليجيين تنسج بديلاً عن ممرات محور روسيا-الصين-إيران. فطريق التنمية (خط الفاو-الموصل-أوفاكوي) يقدّم بديلاً بريّاً يتجاوز الفرع الإيراني من الحزام والطريق والممر الشمالي الروسي، بينما تستهدف خطوة غرينلاند-هرمز احتكار الصين للمعادن وابتزاز إيران للطاقة.
وقد يقول أحدهم “ممر تنمية” ويقول آخر “مضيق أمني”، لكن المنطق واحد: ارسم الخريطة، وضع الاسم، وطبّع السيطرة. استعمار بري في القرن التاسع عشر، وصراع سلاسل إمداد في القرن الحادي والعشرين، ضمن نموذج جديد للاقتصاد السياسي لرأس المال العالمي.
وخلاصة ذلك خريطتان لجبهة استراتيجية واحدة: صمام المعادن في الشمال، وصمام النفط في الجنوب. عقيدة عمرها مئتا عام، وُلدت من الضعف، وتحولت إلى شرطة، واصطدمت بحركات التحرر، وأُعلنت ميتة، ثم عادت اليوم في ثوب أمن لسلاسل الإمداد.
