في لحظةٍ مفصلية من مسار إعادة بناء الدولة السورية، تفتح دمشق صفحة جديدة عنوانها إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وبناء جيش قادر على فرض حضور الدولة على كامل الأراضي السورية. ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار أمريكي دخل حيز التنفيذ في السادس عشر من أيلول/سبتمبر، رفعت بموجبه واشنطن آخر القيود القانونية المتبقية على مبيعات الأسلحة لسوريا وتمويلها العسكري، بما في ذلك تراخيص تصدير المواد المدرجة على قائمة الذخائر الأمريكية.
لكن رفع الحظر لا يعني أن واشنطن بدأت بتسليح دمشق، بل إنه أزال عائقاً قانونياً كان يمنع مثل هذه الصفقات، فيما تبقى أي عملية بيع أو تمويل خاضعة للقرارات الأمريكية ومصالح الأمن القومي وشروط التصدير.
وبالنسبة للرئيس السوري أحمد الشرع، تبدو المسألة أبعد من مجرد شراء أسلحة، فبناء جيش وطني يعني إعادة تنظيم تشكيلات مسلحة متعددة، وتوحيد القرار العسكري، وإعادة بناء منظومات التسليح والدفاع الجوي والقوة الجوية، بما يمنح الدولة السورية أدوات سيادية افتقدتها طوال سنوات الحرب.
في واشنطن، لا تبدو الخطوة الأمريكية تفويضاً مفتوحاً للتسلح، بقدر ما هي جزء من إعادة صياغة العلاقة مع دمشق. فالقرار الأمريكي رُبط صراحةً بمصالح الأمن القومي، فيما سبقته خطوات أخرى تمثلت في رفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب وإزالة هيئة تحرير الشام من بعض قوائم العقوبات الأمريكية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى إعادة بناء القوة العسكرية السورية بقدر كبير من الحذر، وتقول تقديرات أمنية إسرائيلية نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية إن دمشق تعمل على تشكيل جيش نظامي كبير، وإعادة بناء سلاح الجو والسعي إلى امتلاك قدرات دفاع جوي.
كما عبرت إسرائيل عن اعتراضها على أي وجود عسكري تركي متقدم أو منظومات دفاع جوي تركية داخل سوريا. وهذه تقديرات إسرائيلية وليست إعلاناً سورياً عن نوايا عسكرية تجاه إسرائيل.
وهنا تتقاطع الملفات، تركيا تريد دولة سورية أكثر تماسكاً عسكرياً، ودمشق تريد استعادة قرارها السيادي، بينما ترى إسرائيل في تنامي القدرات العسكرية السورية والتركية داخل سوريا تطوراً يستدعي المراقبة والتحسب.
وبينما يتسع الحديث عن إعادة بناء الجيش، جاءت سلسلة انفجارات مستودعات ومواقع الذخيرة لتضيف طبقة غامضة إلى المشهد. ففي أيلول/سبتمبر وحده، وقعت انفجارات في مواقع عدة، بينها مستودع ذخيرة قرب عياش في ريف دير الزور، ومستودع قرب سرمدا في ريف إدلب، وانفجار ذخائر أثناء نقلها قرب بنش، ثم الانفجار الأحدث في مستودع تابع للجيش قرب العيس جنوب حلب في الحادي والعشرين من أيلول/سبتمبر.
وتشير التقارير إلى أن وزارة الدفاع السورية فتحت تحقيقات في أسباب هذه الحوادث، بينما تتراوح الفرضيات المتداولة بين سوء التخزين والتعامل غير الآمن مع الذخائر، وبين احتمال التخريب أو الاستهداف الخارجي.
لكن حتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة تثبت وجود علاقة مباشرة بين هذه الانفجارات وبين مشروع الشرع لبناء جيش جديد أو قرار واشنطن رفع قيود التسليح. الرابط الزمني لافت، لكنه وفق مراقبين لا يكفي لإثبات علاقة سببية.
ومع ذلك، فإن تكرار الحوادث في مرحلة يعاد فيها ترتيب مخازن السلاح وهيكلة المؤسسة العسكرية يطرح سؤالاً أكبر حول مدى جاهزية البنية اللوجستية والأمنية للجيش الجديد.
