لم تكن الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات في سوريا مجرد قرار اقتصادي عابر، ولم تكن الاحتجاجات التي أعقبتها مجرد رد فعل تلقائي على ارتفاع سعر الديزل والبنزين، فحين تخرج الاحتجاجات من مناطقٍ متعددة وتتحول إلى قطع للطرق وإيقاف قوافل نقل النفط والمطالبة بإقالة مسؤولين، فإن المسألة تتجاوز سعر الوقود لتلامس سؤالاً أكثر جوهرية حول سياسات السلطة الجديدة وتأثيرها على المجتمع ولاسيما ما يتعلق منها بتوزيع أعباء الأزمة الاقتصادية بين المواطنين والدولة؟
لقد رفعت الحكومة السورية الانتقالية سعر الديزل بنسبة 40%، فيما ارتفعت أسعار أنواع البنزين بنسب تراوحت بين 26% و28%، كما ارتفعت أسعار الغاز المنزلي والصناعي بنحو 9%. وجاءت هذه القرارات في مجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي هائل؛ إذ يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. ومن هنا يمكن فهم الاحتجاجات باعتبارها أزمة ثقة اجتماعية قبل أن تكون أزمة محروقات.
للمحروقات في الاقتصاد السوري تأثيراً يتجاوز تكلفة النقل أو تشغيل السيارات، فالديزل يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في النقل والزراعة والإنتاج وتوزيع السلع. ولذلك؛ فإن رفع سعره ينتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء والخدمات والنقل. وقد عبّر سوريون محتجون بالفعل عن خشيتهم من أن يؤدي ارتفاع الوقود إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وهكذا يصبح السؤال الشعبي مختلفاً عن السؤال الذي تطرحه الحكومة. فالسلطة تقول إن ارتفاع الأسعار فرضته تكاليف الاستيراد العالمية، ونقص المنتجات المكررة، وتراجع الإمدادات الروسية، فضلاً عن توقف مصفاة بانياس لأعمال الصيانة. فيما على الأرض الانتاج يزيد ولا ينقص ونقل البترول من مناطق الإنتاج إلى الداخل للبيع والتكرير مستمرة على قدم وساق.
وهذه العوامل حقيقية ولا يمكن تجاهلها عند تقييم القرار، لكن وجود مبرر اقتصادي للقرار لا يعني بالضرورة وجود مبرر اجتماعي كافٍ له، وهنا تظهر المشكلة الأساسية عندما تتحمل الأسر الفقيرة والمتوسطة الجزء الأكبر من تكلفة معالجة الاختلال الاقتصادي، من دون أن تشعر في المقابل بأن الدولة تقدم لها شبكة حماية اجتماعية كافية.
الصورة العامة توضح إن الاحتجاجات الحالية تعكس، في جانب منها، شعوراً متنامياً بأن تكلفة إعادة بناء سوريا يجري تحميلها للمواطن العادي بصورةٍ أكبر مما ينبغي، فالمواطن الذي خرج من سنوات الحرب والفقر والتهجير لا ينظر إلى زيادة أسعار الوقود باعتبارها رقماً في جدول حكومي، وإنما باعتبارها زيادة جديدة في تكلفة حياته اليومية، وعندما لا يقترن رفع الأسعار بزيادة مماثلة في الأجور أو الدعم الموجه للفئات الأكثر هشاشة، تصبح السياسة الاقتصادية في نظر قطاعات من المجتمع سياسة لإعادة توزيع الأزمة، لا لإدارة الأزمة.
هنا تبرز واحدة من نقاط الضعف المهمة في السياسة الاجتماعية للسلطة في دمشق، وهي غياب الإحساس الواضح لدى قطاعات من المواطنين بأن الدولة تشاركهم أعباء المرحلة الانتقالية بالقدر نفسه الذي تطلب منهم تحمله. لكن المشكلة تكمن فيمن يدفع ثمن الدولة الجديدة؟ فبعد سقوط النظام السابق لم تعد المطالب الشعبية مرتبطة فقط بإنهاء الحرب أو تغيير رأس السلطة، بل أصبحت مرتبطة بـ “عقد اجتماعي جديد”.
فالسوري الذي عاش سنوات الحرب يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه مقابل التضحيات التي قدمها؟ وهل ستصبح الدولة أكثر عدالة في توزيع الموارد؟ وهل ستصل عائدات المعابر والموارد الطبيعية إلى المجتمع؟ وهل ستتم محاربة الفساد والمحسوبية؟ وهل ستكون الخدمات العامة متاحة بصورة عادلة؟ بل وهل ستتحمل الطبقات القادرة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى جزءاً أكبر من تكلفة الإصلاح؟ وهي الأسئلة التي تتجاوز أهميتها مسألة سعر لتر الديزل نفسه. فقد كشفت الاحتجاجات عن هذه الفجوة بوضوح؛ إذ عبّر بعض المحتجين عن رفضهم توجيه الموارد إلى مشروعات يرونها أقل أولوية، مطالبين بدلاً من ذلك بتوفير شروط الحياة الأساسية.
بجانب ذلك، لا يمكن فصل الوضع الاجتماعي السوري عن البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالبلاد. فإلى جانب الأزمة الاقتصادية تواجه سوريا واقعاً أمنياً شديد التعقيد بما في ذلك استمرار التوغلات والعمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري. وهو الأمر الذي بُعداً سياسياً إلى الاحتقان الاجتماعي. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية، بينما يرى في الوقت نفسه أجزاء من بلاده معرضة للتوغلات والضغط الخارجي، قد يشعر بأن الدولة مطالبة ليس فقط بتحسين مستوى معيشته، وإنما أيضاً بإثبات قدرتها على حماية السيادة الوطنية.
هنا يتعين علينا التمييز بين أمرين؛ فالسلطة في دمشق تواجه بالفعل ظروفاً اقتصادية شديدة الصعوبة لكن ذلك لا يعفي السلطة من مسؤوليتها الاجتماعية، فالاختبار الحقيقي لأي حكومة لا يظهر عندما تكون الموارد وفيرة، وإنما عندما تكون الموارد محدودة والخيارات مؤلمة، وفي هذه اللحظة تحديداً يتعين على السلطة أن تثبت أن الإصلاح الاقتصادي لا يعني ببساطة نقل الأزمة من خزينة الدولة إلى جيوب المواطنين.
وعلى هذا، يمكن قراءة الاحتجاجات الحالية باعتبارها رسالة سياسية واجتماعية إلى السلطة أكثر من كونها مجرد رفض لقرار تسعيري. فالمواطن السوري لا يطالب بالضرورة بالعودة إلى منظومة الدعم السابقة، وإنما يطالب قبل كل شيء بأن تكون تكلفة الإصلاح عادلة ومفهومة وموزعة بصورة منصفة.
إن بناء سوريا الجديدة لا يتطلب فقط إعادة بناء الطرق والمصافي والمؤسسات، وإنما يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وإذا استمرت القرارات الاقتصادية في تحميل المواطنين وحدهم تكلفة الأزمات، بينما لا يرون تحسناً موازياً في الخدمات أو الدخول أو العدالة في توزيع الموارد، فإن احتجاجات المحروقات قد تكون مجرد بداية لسلسلة أوسع من الاحتجاجات الاجتماعية، فالوقود كان الشرارة، لكن الأزمة الحقيقية أعمق تتجسد في الشعور بالعدالة، وأزمة الثقة في قدرة الحكومة على حماية المواطن اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الأكبر أمام السلطة في دمشق ليس فقط توفير الوقود، وإنما إثبات أن الحكومة الانتقالية قادرة على بناء عقد اجتماعي أكثر عدالة من العقد الذي سبقها.

المصدر:صحيفة روناهي الكاتب : د. طه علي أحمد
