بقلم: عبد الرحيم محمد
شكّل قرار وزارة التربية والتعليم السورية المتعلق بتعديل التعليمات التنفيذية الخاصة بتدريس اللغة الكردية، وحصر المناهج المترجمة أو المخصصة لها بثلاث حصص أسبوعية لمواد الجغرافيا والتاريخ والفلسفة، إضافة إلى ساعة أو ساعتين للأنشطة، منعطفاً حساساً في مسار العلاقة بين الدولة والشعب الكردي، ولا سيما في مرحلة تتجه فيها البلاد نحو إعادة ترتيب مؤسساتها وبناء صيغة جديدة للاندماج الوطني.
وبعيداً عن الجدل السياسي المرتبط بالقرار، فإن قضية اللغة والتعليم تتجاوز كونها مسألة إدارية أو تفصيلاً في الخطة الدراسية، فهي ترتبط بصورة مباشرة بالهوية والثقافة والشعور بالمواطنة والمساواة.
ولذلك فإن طريقة إدارة هذا الملف ستكون ذات أهمية كبيرة في بناء الثقة بين الدولة والمكونات السورية المختلفة.
لا شك أن إدراج اللغة الكردية ضمن العملية التعليمية الرسمية يمثل، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية عن عقود طويلة عانى خلالها الكرد في سوريا من سياسات التهميش والإقصاء الثقافي واللغوي.
لكن الاعتراف بالحق اللغوي لا يقاس فقط بذكر اللغة في القرارات الرسمية، وإنما أيضاً بمكانتها الفعلية داخل العملية التعليمية، وعدد ساعات تدريسها، وطبيعة المواد التي تدرّس بها، وقدرة الطالب على استخدامها كلغة للتعلم والتعبير، وليس فقط كمادة دراسية محدودة.
ومن هنا يأتي الاعتراض على حصر التعليم باللغة الكردية في ثلاث مواد من العلوم الإنسانية، مع ساعة للأنشطة، إذ يرى منتقدو القرار أن هذه الصيغة لا تعكس بصورة كافية مكانة اللغة الأم بالنسبة إلى الطلاب الكرد، ولا تلبي الطموح الذي تشكل خلال السنوات الماضية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
فإذا كانت اللغة الكردية حاضرة في حياة الطالب اليومية والثقافية والاجتماعية، فإنه من الطبيعي أن يكون النقاش حولها أوسع من عدد الحصص الأسبوعية، ليشمل السؤال الأهم: هل ستكون اللغة الكردية جزءاً حقيقياً من العملية التعليمية، أم ستبقى مادة محدودة داخل النظام التعليمي المركزي؟
هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن عدد الحصص، يتعلق بالمضمون نفسه.
إن تدريس التاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة الكردية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ترجمة حرفية لمناهج موضوعة من منظور واحد، بل يجب أن تكون هناك فرصة لإعادة النظر في المحتوى بما يعكس التنوع التاريخي والثقافي والاجتماعي لسوريا.
فالتاريخ السوري ليس رواية أحادية، والجغرافيا السورية ليست مجرد حدود وخرائط، والثقافة الوطنية لا يمكن أن تُبنى على إقصاء مكونات المجتمع أو اختزالها في فقرات هامشية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إشراك الأكاديميين والمختصين والتربويين الكرد في تطوير المناهج، إلى جانب بقية الكفاءات السورية، بحيث يصبح المنهج الدراسي مساحة للتعرف على التنوع، لا أداة لإعادة إنتاج الخلافات.
فالطالب الكردي من حقه أن يرى نفسه وتاريخه وثقافته ولغته حاضرة في الكتاب المدرسي، كما أن الطالب العربي والسرياني والآشوري والتركماني وغيرهم من أبناء سوريا من حقهم أيضاً أن يتعرفوا على ثقافات وتاريخ شركائهم في الوطن.
إن التحولات التي تشهدها سوريا، وما رافقها من حديث عن دمج المؤسسات والقوى المختلفة ضمن مؤسسات الدولة، تعني أن التحدي لم يعد أمنياً أو عسكرياً فقط.
فالمرحلة المقبلة ستكون، قبل كل شيء، مرحلة بناء مؤسسات وثقة ومواطنة.
وفي هذا السياق، فإن ملف التعليم واللغة سيكون من أكثر الملفات حساسية. لأن المدرسة تصل إلى كل بيت، والكتاب المدرسي يؤثر في وعي الأجيال، واللغة ليست وسيلة للتواصل فقط، بل جزء أساسي من شخصية الإنسان وذاكرته وانتمائه.
ولهذا فإن التعامل مع الملف الكردي بعقلية إدارية ضيقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما يمكن تحويله إلى فرصة حقيقية لبناء نموذج جديد للعلاقة بين الدولة ومواطنيها.
ماذا يمكن للحكومة السورية أن تفعل؟
أولاًـ اعتماد سياسة تدريجية ومرنة في مجال التعليم باللغة الأم، تسمح للمدارس في المناطق ذات الغالبية الكردية بتوسيع استخدام اللغة الكردية في التعليم، مع وضع آليات واضحة تضمن انسجام ذلك مع النظام التعليمي العام والامتحانات الوطنية.
ثانياًـ إشراك الكفاءات التربوية والثقافية الكردية في إعداد وتطوير المناهج، ليس من باب المحاصصة، وإنما باعتبارهم أصحاب اختصاص ومعرفة باللغة والثقافة والتاريخ المحلي.
ثالثاًـ إعادة النظر في كتب التاريخ والجغرافيا بحيث تعكس التنوع السوري بكل مكوناته، بعيداً عن النظرة المركزية التي قد تجعل بعض المكونات تشعر بأن تاريخها وثقافتها لا يحظيان بالمكانة التي يستحقانها.
رابعاًـ معالجة ملف المعلمين والكوادر التعليمية الذين عملوا خلال السنوات الماضية في المؤسسات التعليمية القائمة في مناطق الإدارة الذاتية، وفق معايير مهنية واضحة، بما يضمن الاستفادة من خبراتهم وعدم تحويل عملية الدمج إلى مصدر جديد للإقصاء.
خامساًـ والأهم، فتح حوار حقيقي بين وزارة التربية والفعاليات السياسية والثقافية والتربوية الكردية، لأن القرارات المتعلقة بالتعليم واللغة لا ينبغي أن تُبنى فقط من خلف المكاتب، بل من خلال الاستماع إلى المجتمعات التي ستطبق عليها هذه القرارات.
إن النقاش حول اللغة الكردية يجب ألا يُختزل في سؤال: كم حصة أسبوعية ستُعطى للغة؟ بل السؤال الأعمق هو: أي سوريا نريد أن نبني؟
سوريا التي تنظر إلى التنوع باعتباره مشكلة ينبغي احتواؤها، أم سوريا تعتبر التنوع القومي والثقافي واللغوي جزءاً من ثروتها الوطنية؟
إن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لا يعني تقسيم الدولة، كما أن الحفاظ على وحدة الدولة لا يتطلب بالضرورة فرض نموذج ثقافي واحد على جميع أبنائها. بل على العكس، يمكن للدولة الموحدة أن تكون أكثر قوة واستقراراً عندما يشعر مواطنوها بأن لغاتهم وثقافاتهم وهوياتهم مصانة ضمن إطار المواطنة المتساوية.
ومن هنا فإن تثبيت الحقوق اللغوية في الإطار الدستوري والقانوني يمكن أن يكون خطوة مهمة في إزالة المخاوف من تراجع هذه الحقوق أو ارتباطها بتغير الحكومات والقرارات الإدارية.
إذا كان الهدف من المرحلة المقبلة هو بناء دولة سورية جامعة لكل مكوناتها، فإن المدرسة يجب أن تكون إحدى أهم أدوات هذا المشروع.
فالاندماج الحقيقي لا يعني أن يتخلى الإنسان عن لغته أو ثقافته حتى يصبح مواطناً كاملاً، وإنما يعني أن يتمكن من الحفاظ على خصوصيته الثقافية، وفي الوقت نفسه يشعر بأنه جزء أصيل من الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن اللغة الكردية يمكن أن تكون جسراً للاندماج الوطني لا جداراً للفصل، إذا تمت إدارتها بعقلية الشراكة والمواطنة، بعيداً عن التخوف السياسي أو الحسابات المركزية.
إن نجاح الدولة في إدارة هذا الملف لن يُقاس فقط بما ستقرره وزارة التربية اليوم، بل بقدرتها على بناء سياسة تعليمية طويلة الأمد يشعر من خلالها الطالب الكردي بأن لغته محترمة، ويشعر الطالب العربي بأن التنوع ليس تهديداً له، ويشعر جميع السوريين بأن المدرسة التي تجمعهم لا تفرق بينهم.
وفي النهاية، فإن مرحلة ما بعد الصراع لا تُبنى فقط بدمج المؤسسات والقوى، وإنما بدمج الثقة والحقوق والذاكرة والهوية داخل مشروع وطني مشترك.
وقد يكون ملف اللغة والتعليم واحداً من أصعب الاختبارات أمام الدولة السورية الجديدة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون من أفضل الفرص لبناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على المساواة والاعتراف بالتنوع والشراكة الوطنية.
