لماذا يعجز التحالف المالي-الروسي عن الحسم؟
أولاً – لأنه يواجه خصوماً مختلفين في آن واحد:
في الشمال توجد جبهة تحرير أزواد (FLA) ذات الطابع الانفصالي الطوارقي، بينما تنشط في الوسط والجنوب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بالقاعدة، إضافة إلى تنظيم الدولة في منطقة الساحل. وبالتالي لا توجد جبهة واحدة يمكن إسقاطها بضربة عسكرية حاسمة، فيما يزيد تعدد الجماعات المسلحة وتداخل ساحات نشاطها من تعقيد المهمة أمام باماكو وحلفائها الروس.
ثانياً – جغرافية مالي تعمل لمصلحة المسلحين:
مالي دولة شاسعة جداً، ومعظمها صحراوي أو شبه صحراوي. والسيطرة على مدينة أو قاعدة عسكرية لا تعني بالضرورة السيطرة على المنطقة المحيطة بها. وتستطيع الجماعات المسلحة تجنب المواجهة المباشرة، ثم ضرب القوافل والقواعد والطرق والانسحاب. وهذا ظهر عملياً في هجمات متزامنة طالت مواقع للجيش المالي والقوات الروسية في مناطق متباعدة جداً في يوليو/تموز، من الشمال إلى مناطق أقرب إلى باماكو.
ثالثاً – المشكلة ليست نقص القوة النارية بقدر ما هي مشكلة استخبارات وسيطرة على الأرض:
روسيا تستطيع تقديم طائرات ومسيّرات ومدرعات وقوات خاصة، لكن مكافحة التمرد تحتاج إلى معلومات محلية، وشبكات استخبارات، والسيطرة على السكان والطرق، وإدارة المناطق بعد استعادتها. وهذا أصعب بكثير من قصف موقع أو تنفيذ عملية عسكرية. وحتى استخدام فيلق أفريقيا للمسيّرات الانتحارية من طراز FPV في مالي يعكس محاولة لمجاراة التكتيكات التي تستخدمها الجماعات المسلحة نفسها.
رابعاً – هناك مشكلة في انتشار القوات الروسية نفسها:
وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة الدور الروسي. فقد تحدثت تحليلات بعد هجمات أبريل/نيسان، عن إعادة انتشار بعض عناصر فيلق أفريقيا من مناطق في الشمال باتجاه مناطق أقرب إلى باماكو، وهو ما قد يشير إلى أن حماية النظام في العاصمة تمثل أولوية روسية مهمة، إلى جانب العمليات ضد الجماعات المسلحة في مناطق أخرى.
وهنا يظهر السؤال الكبير: هل جاء الروس إلى مالي لمحاربة التمرد فعلاً، أم أن الهدف الأساسي أصبح حماية النظام العسكري الحاكم وضمان استمرار النفوذ الروسي؟
خامساً- الأسلوب العسكري القاسي قد يُنتج نتيجة عكسية:
فقد تحدثت اتهامات حقوقية حديثة عن مقتل مدنيين في عمليات نفذها فيلق أفريقيا، وهو أمر يمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ قد يدفع بعض السكان إلى التعاطف مع الجماعات المسلحة أو التعاون معها بدلاً من عزلها.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن باماكو وموسكو تتعاملان مع حرب تمرد طويلة ومعقدة، بينما يصعب حسم مثل هذه الحروب بالقوة العسكرية وحدها. تستطيع روسيا مساعدة الجيش المالي على منع سقوط باماكو، واستعادة بعض المدن، وتوجيه ضربات قوية إلى المسلحين؛ لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنح الحكومة سيطرة مستدامة على جميع الأراضي، خصوصاً مع وجود جماعات ذات جذور محلية وقدرة على الاختباء والتحرك عبر مساحات صحراوية شاسعة.
أخيراً، إذا كانت روسيا قد نجحت في مساعدة النظام المالي على الصمود، وقدمت له السلاح والتدريب والدعم الميداني، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحاً يتجاوز حدود مالي نفسها إلى مستقبل الدور الروسي في الساحل الأفريقي: هل تستطيع موسكو الانتقال من حماية الأنظمة العسكرية الحليفة لها ومساعدتها على الصمود إلى تمكينها من استعادة السيطرة المستدامة على أراضيها وإنهاء التمرد؟
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل تستطيع روسيا توفير الأمن للأنظمة العسكرية في الساحل، أم أنها تستطيع فقط مساعدتها على الصمود من دون القدرة على إنهاء التمرد؟
الكاتب: د. علي سيد
