لم تعد تداعيات التغيرات المناخية تقتصر على موجات الحر والجفاف، بل امتدت لتطال قطاع الثروة الحيوانية، الذي يُعد أحد ركائز الأمن الغذائي والتوازن البيئي.
ففي مدينة قامشلي شمال شرق سوريا، ومع الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تتزايد معدلات انتشار الأمراض الموسمية والفيروسية بين الأبقار، ما يضع المربين أمام تحديات بيئية واقتصادية متفاقمة.
وفي حي جمعايا، الذي يضم عدداً كبيراً من الخانات، تتكرر مشاهد إصابة المواشي بالأمراض، وسط مخاوف من اتساع رقعة العدوى في ظل نقص اللقاحات البيطرية، الأمر الذي يؤدي إلى نفوق أعداد من الحيوانات، وانخفاض إنتاج اللحوم والألبان، ويؤثر بصورة مباشرة في استدامة الثروة الحيوانية والأمن الغذائي في المنطقة.
وأوضح مدير أطباء البيطرة في قامشلي، الطبيب البيطري أنس محمد، أن ارتفاع درجات الحرارة يوفر بيئة ملائمة لانتشار العديد من الأمراض، لافتاً إلى أن الأمراض الطفيلية الموسمية يمكن الحد منها عبر الرعاية البيطرية، في حين تبقى الأمراض الفيروسية الأخطر بسبب ضعف استجابتها للعلاج، ما يجعل اللقاحات الوسيلة الأكثر فاعلية للوقاية منها.
وأشار إلى أن اللقاحات التي كانت تُؤمَّن سابقاً عبر الحكومة السورية، اعتماداً على عترات مستوردة من روسيا، لم تعد متوفرة خلال العامين الماضيين، وهو ما ساهم في زيادة انتشار الأمراض بين قطعان الأبقار.
وبيّن أن الحمى القلاعية تُعد من أخطر الأمراض التي تهدد الثروة الحيوانية وخاصة الأبقار، إذ قد تصل نسبة نفوق الحيوانات المصابة بها إلى ثلاثين في المئة، بينما تعاني الحيوانات التي تنجو من انخفاض كبير في الوزن والإنتاجية، ما ينعكس على إنتاج اللحوم والألبان، ويؤدي إلى خسائر اقتصادية للمربين، ويقلل من كفاءة هذا المورد الحيوي.
ولا تنحصر آثار هذه الأزمة في الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البعد البيئي، إذ إن تراجع الثروة الحيوانية يخل بالتوازن بين الأنشطة الزراعية والحيوانية، ويؤثر في استدامة الموارد الطبيعية، ويضعف قدرة المجتمعات المحلية على تحقيق الأمن الغذائي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
ويؤكد مختصون أن الحد من هذه المخاطر يتطلب توفير اللقاحات البيطرية بصورة منتظمة، وتعزيز برامج الوقاية والمراقبة الصحية، ورفع مستوى النظافة داخل الخانات، إلى جانب تبني سياسات بيئية تدعم قدرة قطاع الثروة الحيوانية على التكيف مع آثار التغير المناخي، باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة البيئة والتنمية المستدامة.
