لم ينتهِ خطر التعذيب وسوء المعاملة في سوريا بسقوط النظام السابق، إذ تثير الوفيات المسجلة داخل مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة الانتقالية مخاوفَ جدية بشأن استمرار ممارسات تمسُّ حياة المحتجزين وكرامتهم.
المرصد السوري لحقوق الإنسان، وثق أكثر من سبعين حالةَ وفاةٍ داخلَ مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة منذ سقوط النظام السابق بينها إحدى وستون حالةً خلال عام ألفين وخمسة عشرين، واثنتا عشرةَ حالةً منذ بداية العام الحالي.
إن استمرار تسجيل الوفيات داخل أماكن الاحتجاز خلال المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجردَ حوادثَ فردية أو وقائعَ معزولة، بل باعتباره ملفاً حقوقياً بالغ الخطورة، واختباراً حقيقياً لمدى قدرةِ السلطات الجديدة على التخلص من إرث النظام السابق وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.
ومن هذا المنطلق، يجب أن تخضع كل وفاةٍ داخل مراكز الاحتجاز لتحقيقٍ مستقل وشفاف يكشف ملابساتها وأسبابها، وأن تُفتح تحقيقاتٌ جدية في كل ادعاء يتعلَّقُ بالتعذيب أو سوءِ المعاملة أو الحرمان من الرعاية الطبية، مع تحديدِ المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت إدانته، بعيداً عن الحماية السياسية أو المؤسسية.
وفاة شاب بعد توقيفه بمخفر بريف اللاذقية غربي سوريا
وتعيد وفاة الشاب “محمد حسام الدين غميرة” في محافظةِ اللاذقية، عقبَ تدهور حالته الصحية خلال فترة توقيفه، طرحَ أسئلةٍ ملحَّة، وتفرضُ ضرورةَ الكشف عن ظروف احتجازه، وحقيقة حالته الصحية، وأسباب وفاته، والمسؤوليات المرتبطة بها.
غميرة، الذي احتُجز لمدة ثلاثة أيام على خلفيةِ شكوى أو ادعاء مالي بحقه، كان يعاني من مرضٍ وراثي يؤثر في تخثّر الدم. وكانت عائلته قد أبلغت عناصر المخفر مسبقًا بحالته الصحية، إلا أنَّ هذه التحذيرات، بحسبِ المعطيات المتداولة، لم تلقَ الاهتمام اللازم من قبل محتجزيه، لينتهي احتجازه بوفاته، وسط اتهاماتٍ بتعرّضه للتعذيب
وبحسب مراقبين، فإن الحكومةَ السورية تقفُ اليوم أمامَ اختبارٍ تاريخي، فإما أنْ تؤسس لقطيعةٍ حقيقية مع التعذيب والإذلال والإفلات من العقاب، وإما أنْ يسمح الصمت والتقصير وغياب المحاسبة بإعادة إنتاج ممارسات النظام السابق.
