في الوقت الذي تحاول فيه الماكينة الإعلامية الحاكمة في أنقرة تسويق صورة براقة عن دولة القانون والمؤسسات، تتبدى وراء القضبان الحديدية لزنازينها حقيقة مناقضة تماماً تروي فصولاً من القمع الممنهج والانتقام السياسي الذي يطال كل من يرفع صوته بالمعارضة.
و لقد تحولت السجون التركية تحت وطأة القبضة الأمنية لحزب العدالة والتنمية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية وتكميم الأفواه حيث يعاني عشرات الآلاف من المواطنين والناشطين من الاحتجاز التعسفي بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة التي باتت سيفاً مصلتاً على رقاب الجميع، بدءاً من قادة الأحزاب المعارضة ونواب البرلمان وصولاً إلى المسؤولين المحليين ورؤساء البلديات المنتخبين الذين جُرّد نحو خمسة وأربعين منهم من صلاحياتهم واعتُقلوا عقب جولة الانتخابات المحلية الأخيرة.
ولا يشكل قطاع الصحافة والإعلام استثناءً من هذه المقصلة إذ تقبع تركيا اليوم في المرتبة مئة وتسع وخمسين من أصل مئة وثمانين بلداً على مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، في ظل احتجاز مستمر يتراوح بين ثمانية وعشرين وأكثر من خمسين صحفياً وإعلامياً وفقاً لإحصاءات نقابة الصحفيين الأتراك، حيث تلاحقهم السلطات بقضايا جائرة ومحاكمات تفتقر للعدالة تستند إلى تشريعات قمعية مثل قانون نشر المعلومات المضللة، والتي طالت كبار الكتاب والاستقصائيين وترافقت مع اعتقال المئات بسبب تغطيتهم الميدانية للاحتجاجات الشعبية، علاوة على فرض الرقابة الرقمية الصارمة وحظر مئات الحسابات الإخبارية للمعارضين على منصات التواصل الاجتماعي لعزل المجتمع عن واقعه المأساوي.
و هذا الحصار الخانق لا يتوقف عند سلب الحرية، بل يمتد إلى داخل أسوار المعتقلات من خلال ممارسات تنتهك الكرامة الإنسانية وتستهدف كسر إرادة المعتقلين عبر العزل الانفرادي لمدد طويلة، والحرمان الممنهج من الرعاية الطبية والمماطلة المتعمدة في توفير الأدوية الحيوية وتشتيت العائلات بنقل ذويهم إلى سجون نائية فضلاً عن المعاملة المهينة والتعذيب النفسي المستمر.
ويبلغ هذا المشهد ذروة مأساويته عند النظر إلى ملف السجناء كبار السن والمرضى الذين تحولوا إلى رهائن لسياسة التصفية و القتل و الإرهاب النظامي الرسمي إذ توثق جمعية حقوق الإنسان التركية وجود ما يقرب من ألف وخمسمائة سجين مريض، من بينهم أكثر من ستمئة حالة في وضع صحي حرج للغاية تجاوزت أعمارهم الستين والثمانين عاماً، حيث تصر مؤسسة الطب الشرعي الرسمية على حجب تقارير عدم الأهلية الصحية للبقاء في السجن عن معتقلي الرأي مما أدى إلى وفاة عشرات المسنين داخل زنازينهم أو إطلاق سراحهم في الرمق الأخير من حياتهم فقط ليموتوا بين أهاليهم وتتحلل السلطات من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن وفاتهم.
إن الإمعان في احتجاز شيوخ طاعنين في السن تجاوزوا عتبة الثمانين عاماً يمثل شاهداً صارخاً على موت الإنسانية في المنظومة القضائية الحالية، حيث يقبع الشيخ صديق غولر البالغ من العمر واحدًا وثمانين عاماً خلف القضبان منذ أكثر من ستة وعشرين عاماً وهو مقعد بالكامل على كرسي متحرك جراء شلل نصفي وأمراض قلبية مزمنة، وتتحجج المحاكم بأعذار واهية لرفض إطلاق سراحه .
وعلى الدرب نفسه من المعاناة، يواجه المسن عبد العليم كايا البالغ من العمر خمسة وثمانين عاماً وطأة الفشل الكلوي الحاد ومرض السكري داخل زنزانته دون أن تلقى الالتماسات الحقوقية والبرلمانية أي استجابة لإنقاذه، ليعيد مشهده للأذهان قصة السجين خليل غونيش الذي قضى نحبه في الثمانينيات من عمره جراء تفشي السرطان في جسده دون رعاية ودون إفراج صحي .
وحتى عندما تضطر السلطات للتراجع خطوة إلى الوراء تحت ضغط الإدانات الدولية، فإنها تفعل ذلك بمرارة، كما حدث في قضية الثمانينية ماكبولي أوزر التي تعاني العجز الكامل وأُفرج عنها مؤقتاً لعام واحد فقط بعد أشهر من التنكيل، أو في حالة العفو الصحي المتأخر جداً عن الشيخ كريم بوران البالغ من العمر واحدًا وثمانين عاماً ومعه ثلة من القادة والسياسيين المسنين الذين لم يُطلق سراحهم إلا بعد أن تيقنت المؤسسة الطبية المسيسة من أن الموت بات يطرق أبوابهم خلال أيام. إن هذه الحالات الإنسانية الموثقة تؤكد أن السجون التركية لم تعد دوراً للإصلاح أو تطبيقاً للعدالة، بل غدت ساحة لتنفيذ أحكام الإعدام البطيء بحق الخصوم السياسيين بعيداً عن أعين الرأي العام العالمي.
صهيب المزريقي كاتب صحفي و محلل سياسي
