تشهد العلاقة بين أنقرة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي حالة ممتدة من التوتر الجيوسياسي، إثر تبني تركيا مساراً دبلوماسياً وعسكرياً مستقلاً يتناقض في كثير من الملفات مع التوجهات العامة للحلف.
تباين خلق شرخاً يزداد اتساعاً، ويطرح تساؤلات مستمرة حول مدى انسجام أنقرة مع المنظومة الأمنية الغربية.
مشكلات تركيا داخل الحلف تتجلى في ملفات إقليمية حافلة بالخلافات، أبرزها ملف شرق المتوسط وقبرص. حيث تدخل أنقرة في نزاعات سيادية مستمرة مع اليونان وقبرص حول حدود المناطق البحرية ومصادر الطاقة.
ويمتد هذا الخلاف إلى الملف الليبي، حيث دعمت تركيا أطرافاً عسكرية بشكل مباشر، وهو ما خلق تضارباً مع مصالح دول أطلسية أخرى مثل فرنسا.
علاوة على ذلك، يشكل الموقف التركي الصارم والمناهض للسياسات الإسرائيلية في المنطقة نقطة احتكاك حادة أخرى مع العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، التي ترى في إسرائيل حليفاً إستراتيجياً فوق العادة.
التباين التركي لم يقتصر على الملفات المتوسطية، بل امتد ليتداخل مع أمن الحلف في العمق عبر بناء علاقات وثيقة مع خصوم الناتو التقليديين، وتحديداً روسيا وإيران. فرغم عضوية تركيا الأطلسية، نجحت في صياغة ما يسميه بعض المحللين بتفاهمات اضطرارية مع موسكو وطهران في ساحات معقدة مثل سوريا عبر مسار أستانا.
كما شكلت صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس 400” ضربة قوية لمنظومة التسليح المشتركة للحلف، مما أدى إلى استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “إف 35” الأمريكي، في خطوة كشفت عمق الفجوة الأمنية بين الطرفين.
وفي إطار سعيها لتقديم أولوياتها القومية على مصالح الحلف الجماعية، وظفت أنقرة آلية اتخاذ القرار بالإجماع داخل الناتو كأداة ضغط سياسي. وظهر ذلك جلياً في استخدامها حق النقض الفيتو لفترة طويلة أمام مساعي انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
أنقرة لم تنظر إلى ملف الانضمام من زاوية تعزيز الجبهة الشمالية للحلف ضد التهديد الروسي، بل استغلت الموقف كورقة مساومة رابحة لانتزاع مكاسب مباشرة تخدم أمنها الداخلي.
كما أن أنقرة اشترطت لرفع الفيتو تشديد الدول الأوروبية قوانين مكافحة الإرهاب، ووقف الأنشطة السياسية والمالية لحزب العمال الكردستاني وامتداداته، ورفع حظر تصدير الأسلحة المفروض عليها.
ورغم أن الحلف استوعب هذه المطالب في النهاية وتمت عملية الانضمام، إلا أن السلوك التركي ترك انطباعاً راسخاً لدى الحلفاء بأن أنقرة مستعدة لتجميد قرارات إستراتيجية تهم الحلف بأكمله في سبيل تحقيق مصالحها الشخصية الضيقة.
يشار إلى أن حجم الشرخ بين أنقرة والناتو يظهر أن التحالف لم يعد مبنياً على وحدة الرؤية السياسية والقيم المشتركة، بل تحول إلى زواج مصلحة تديره البراغماتية الصارمة. ورغم أن الحلف لا يمكنه الاستغناء عن موقع تركيا الإستراتيجي وجيشها القوي، إلا أن استمرار أنقرة في السير بخط مغاير سيبقيها مصدراً دائماً للقلق والاضطراب داخل أروقة الأطلسي.
