في المناطق الشرقية من سوريا، لا تبدو الأزمة مجرد نقص في الخدمات أو تراجع في فرص العمل، بل أقرب إلى مسار طويل من التهميش المتراكم الذي ترك أثره على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، وفي ظل هذا الواقع، لم يعد انتقال العائلات نحو مناطق أخرى خياراً فردياً معزولاً، بل انعكاساً مباشراً لغياب التنمية المتوازنة، وتآكل مقومات البقاء في بعض المناطق التي كانت يوماً من أهم ركائز الإنتاج الزراعي والمعيشي في البلاد.
وفي هذا السياق، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة عرض المنازل والأراضي للبيع في مختلف مناطق محافظة دير الزور شرقي سوريا، بالتزامن مع تزايد الحاجة لدى الأهالي للانتقال إلى ظروف معيشية أكثر استقراراً، ما دفع العديد من العائلات إلى مغادرة المنطقة باتجاه دمشق وريفها، إضافة إلى مناطق سورية أخرى تتوفر فيها خدمات أفضل وفرص حياة أكبر.
وبحسب المرصد الحقوقي، فإن هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى اتجاه متنامٍ لدى عائلات فقدت الأمل بتحسن الواقع الخدمي والمعيشي، في ظل استمرار تدهور الخدمات الصحية والتعليمية، وضعف الدعم للقطاع الزراعي الذي يشكل مصدر رزق رئيساً للسكان، إلى جانب انعدام فرص العمل وقسوة الظروف المعيشية وغياب مقومات الحياة الكريمة.
كما تشهد عمليات البيع في عدد من الحالات إتمام صفقات بأسعار متدنية تقل بشكل واضح عن القيمة الحقيقية للعقارات، نتيجة استعجال الأهالي في مغادرة المنطقة هرباً من الواقع المتردي الذي تعيشه.
مراقبون حذروا من أن استمرار هذه الهجرة الداخلية قد ينعكس سلباً على محافظة دير الزور، سواء من الناحية الاقتصادية نتيجة تراجع النشاط الزراعي والإنتاجي، أو من الناحية الديموغرافية مع انخفاض أعداد السكان في عدد من المناطق، فضلاً عن مخاوف من تداعيات أمنية محتملة ناجمة عن إفراغ بعض التجمعات السكانية.
وتشير التقديرات إلى أن احتواء هذه الظاهرة يتطلب تدخلاً عاجلاً من قبل الحكومة السورية الانتقالية لتحسين الخدمات الأساسية، ودعم القطاع الزراعي، وخلق فرص عمل، بما يسهم في الحد من الهجرة الداخلية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المحافظة.
