نعيش اليوم مرحلة دقيقة يمكن وصفها بأنها مرحلة الرمادية وهي فاصلة زمنية تقع على تخوم فصلين، إذ لا هي امتداد للحرب المفتوحة التي عصفت لعقد ونصف، ولا هي سلام مستقر يفضي إلى إجابات حاسمة حول أسئلة وجودية كالسيادة والهوية الوجود الجمعي. إنها مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تتشكل تحت ضغط إعادة التموضع للدور الإيراني الإقليمي بعد أحداث غزة في السابع من أكتوبر، ويتصاعد فيها التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بينما يُعاد ترسيم خرائط التحالفات من جديد.
في هذا السياق، لا مجال لانتظار الفرص، ولا للرفاهية والحياد، فالمشهد برمته يعاد بناؤه على طاولات التفاهمات، حيث تُصاغ القرارات وتُحدد مصائر الشعوب من خلال الصفقات. وهنا يتجلى جوهر المسألة: من لا يكون حاضراً على الطاولة سيجد نفسه موضوعاً عليها. وفي هذا الوضع الهش، لم يعد الغياب تعبيراً عن الحياد، بل تحول إلى مخاطرة وجودية بكل معنى الكلمة.
إذا بدأنا المقال بتحليل موقع الكرد في سوريا بعد عام ٢٠٢٦، نلاحظ أن بعض المحللين يميلون إلى وصف المشهد بـ “نهاية نموذج حكم ذاتي” أو العودة الكاملة إلى النظام اللامركزي ما قبل ٢٠١١”. غير أن كلا الوصفين، في تقديري يخلطان بين الشكل والمضمون. فما نشهده ليس نهاية مطلقة ولا عودة حرفية، بل هو إعادة تشكيل مرُكّبة ومعقدة للعلاقات بين مؤسسات الدولة والفاعلين المحليين في سياق ما بعد النزاع. صحيح أن تبدّل ميزان القوى الإقليمي والمحلي قد أنهى الاستقلال الفعلي الواسع الذي كانت تتمتع به الإدارة الذاتية، إلا أن ذلك لم يؤد إلى إقصاء كامل أو إنكار لوجود سياسي كردي.
ما حدث، بدقة، هو انتقال دقيق من الاستقلال الفعلي دون اعتراف إلى الاعتراف السياسي دون سيطرة جغرافية موسعة، وهو تحول جوهري في طبيعة الفعل السياسي الكردي يستحق وقفة تحليلية متأنية.
غير أن هذا الاعتراف يظل محدوداً ومشروطاً، ولا يرقى إلى مستوى الشراكة الفعلية في مفهوم السيادة الوطنية، مما يجعله عرضة لإعادة تفاوض دائمة في غياب ضمانات مؤسسية مستقرة. لا سيما بأن ذلك يترافق مع عقبات داخلية وخارجية.
النمط الذي بدأ يتبلور لم يقوم على مركزية صلبة تستأثر بكل شيء، بل على مركزية مرنة تحتفظ فيها الدولة بالقرار السيادي الاستراتيجي (في مجالات الأمن، الدفاع والسياسية الخارجية)، بينما تتيح هوامش محلية محدودة في مجالات الإدارة والخدمات والأمن الداخلي. وهذا يعني في جوهره، أن الفاعلية السياسية لم تعد تُقاس بقدرة أي طرف على السيطرة الجغرافية الواسعة، بل بالقدرة على العمل داخل مؤسسات الدولة والتأثير في وظائفها من الداخل. وهنا يصبح مصير الفاعل الكردي، كما غيره من الفاعلين المحليين، مرهون ليس فقط بطبيعة علاقته مع المركز، بل بدرجة تماسكه الداخلي وقدرته على تنظيم موارده السياسية والبشرية. الإرث المؤسسي الذي تراكم خلال مرحلة الحكم الذاتي يمثل رصيداً قابلاً لإعادة التوظيف ولكنه لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية مؤثرة. فتحوله هذا يعتمد على وجود آليات تنسيق وتفعيل حقيقية داخل البنية السياسية الجديدة، وعلى رؤية استراتيجية تدرك أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذريا. وهذا يعني أن المسار مفتوح أمام إعادة التمركز والتفاوض، لكن ضمن شروط أكثر تقييداً، تتطلب استراتيجيات أكثر واقعية وتنظيمية وقدرة على المناورة في مساحات ضيقة.
إذا تجاوزنا الحالة الكردية بوصفها نموذجاً دالاً، نجد أن سوريا برمتها تغرق في تساؤلات لاتحتمل التأجيل. يطرح المجتمع أسئلته العميقة على النخب السياسية: ما شكل الدولة؟ ما طبيعة العقد الاجتماعي الجديد؟ كيف توزع الثروة والإدارة؟ من يضمن ألا تتكرر المأساة؟ إن لم تُجب على هذه الأسئلة ستكون المآلات جداً سلبية، خصوصاً في هذه الفترة الحساسة التي تتسارع فيها الأحداث. وبالتالي فأن أي حديث جاد عن سوريا الجديدة يجب أن يبدأ بطبيعتها الفريدة، فهي ليست مجرد دولة تقليدية، بل هي من العرب الذين يشكلون النسيج الأوسع ويحملون إرث الانتفاضة والقمع معاً. إلى الكرد الذين يختبرون اليوم معنى الانتقال من الإدارة الذاتية المحلية إلى الاعتراف المشروط وبعد نصف قرن من التهميش إلى التركمان الذين تاهوا بين الاستقطابات الإقليمية وتهميش الداخل. أما الطيف المسيحي (السريان والآشوريين والكلدان والأرمن) الذين تمسكوا بلغتهم وكنائسهم رغم موجات التهجير المتعاقبة، وهنا لابد أن نشير إلى كل من العلويين الذين يحملون في ذاكرتهم خوفاً من مستقبل مجهول. والدروز الذين يجب أن يكون لهم دور في معادلة الحكم الخ …
كل هذه المكونات ليسوا ” أقليات ” بالمعنى التقليدي، وليسوا أرقاماً في دفاتر المحاصصة، بل مكونات أصيلة تختزن الذاكرة والحق والوجع ذاته، وتسأل اليوم السؤال نفسه: أين مقعدنا في البيت الجديد؟ هل سنعرف أين ذهب أبناؤنا؟ هل سيُحاسب من حرمنا النوم خمسة عشر عاماً. هذه التساؤلات تجعل العدالة الانتقالية ليست ترفاً قانونياً ولا شعاراً للاستهلاك السياسي بل ضرورة نفسية واجتماعية قبل أن تكون قضائية. ضمن هذا المضمار يمكننا الاستفادة من التجارب الدولية منها: جنوب أفريقيا اختارت الجنة الحقيقة والمصالحة فحققت اختراقاً معنوياً لكنها تركت كثيرين يشعرون بأن العدالة الجزائية لم تتحقق. رواندا لجأت إلى محاكم شعبية تقليدية “غاكاكا” لمعالجة مئات آلاف القضايا التي تعجز المحاكم الرسمية عن استيعابها، البوسنة أنشأت محكمة دولية خاصة، ولكن آثار الحرب ما تزال موجودة حتى الآن.
نحن بحاجة إلى نموذج يقوم على هيئة مستقلة للحقيقة وكشف مصير المغيبين قسراً وأليات جبر ضرر مادي ورمزي للضحايا وعائلاتهم، إصلاح عميق للأجهزة الأمنية والقضائية يتقاطع مع ثقافة الإفلات من العقاب. دون أن يصبح ذلك إلى تصفية جماعية.
والأصعب والأهم باعتقادي هو إيجاد حلول توافقية في هذا المرحلة فعلى الصعيد السياسي (الدستور) والاجتماعي ( التغير الديموغرافي والقتل على الهوية)، وأما العقبة الاقتصادية فمختلفة تماماً. ببساطة جميعنا يتساءل كل يوم، هل سأجد الخبز؟ هل سأتمكن من شراء إسطوانة الغاز؟ هل ستعود الكهرباء لأكثر من عدة ساعات. ماذا عن الليرة والعقوبات وملف المخدرات كل هذا ونحن لم نتحدث عن ملف إعادة الإعمار الذي يحتاج إلى ما يقدر بمئات المليارات من الدولارات في وقت لا توجد في الخزينة قدرة كافية. فإما ما حدث لم يكن في يوم وليلة بل بخمسة عشر عاماً ولد فيها أجيال لا يمتلكون هوية عامة أو انتماء جمعي بل على العكس تكونت انتماءات مناطقية، عرقية ودينية. صحيح بأنه لا توجد إجابة سهلة هنا ولكن تجاهل أي ملف يعني زرع قنابل موقوتة في جسد الدولة الناشئة.
ضمن هذا السياق ولكن بشقه الخارجي، تبرز واحدة من أخطر المعضلات التي تواجهها سوريا اليوم. فكل طرف يعمل على تعزيز نفوذه بلا كلل: هناك من يمد نفوذه على موانئ، وآخر يسعى للسيطرة على الطرق التجارية والمطارات والعقد الاقتصادية الحيوية. لذا يمكننا القول بأنها لحظة لا تحتمل العزوف أو الترفّع عن السياسة. بل تتطلب إعادة قراءة المشهد السياسي من جديد، بعيداً عن الأوهام والأماني والأخطر من كل ذلك، أن سوريا تخرج من عزلتها بوصفها سوقاً تعاد هندستها من الخارج عبر أدوات متنوعة منها تحالف المال والنفوذ العابر للحدود الذي تختزله شخصيات مثل توم باراك الذين يربطون بين رأس المال الدولي والصفقات الكبرى. وقد يتطلب تنفيذ هذه الصفقات تبريراً مفزعاً قد يصل إلى حد هندسة المجتمع السوري نفسه لتمكين الطرف الأقدر على التوقيع على الصفقات الكبرى وهنا تكمن الكارثة بأن تتحول إعادة الإعمار من فرصة لإنقاذ البلاد إلى طريقة جديدة لمصادرتها وامتلاكها وتخريبها النهائي ليس فقط مادياً بل اجتماعياً وسياسياً. فكيف يمكن للسوريين أن يتجنبوا تحويل إعادة الإعمار إلى عملية نهب مقننة تفوق في أثرها التخريبي دمار الحرب نفسها؟
من الملاحظ بأننا في هذا المقال طرحنا الكثير من التساؤلات التي ستكون عناوين رئيسة في المرحلة المقبلة ولكي نخلق نوعاً من التوازن بين التساؤلات والحلول. لابد من طرح بعض المقترحات مثل شكل الحكم المطلوب بأن لا يكون استنساخاً لنموذج مركزية أثبتت فشلها خصوصاً في بلد مثل سوريا حيث التنوع. ولا استنساخاً لتجارب خارجية تتجاهل الخصوصيات الاجتماعية والسياسية والتاريخية لمكونات الشعب السوري. اللامركزية السياسية والإدارية بحيث تمنح كل منطقة هامشاً حقيقاً لإدارة شؤونها دون المساس بوحدة البلاد. المطلوب أيضاً عقد اجتماعي جديد يقوم على التوازن الذكي بين المواطنة المتساوية للجميع كأفراد والاعتراف بحقوق المكونات في التعبير عن هويتها ولغاتها وثقافاتها. وهذا ليس سهلاً لكن أي طريق آخر سيعني العودة إلى دولة الاستبداد التي تبتلع الجميع.
سواء أكانت هذه المرحلة مجرد محطة عابرة أو أنها الأفق السياسي لسوريا الجديدة. ما هو واضح هنا، هو بأن البلد سيكون ساحة مفتوحة لإعادة التمركز والتفاوض يمنح الفرص لمن يمتلك رؤية وأدوات نافذة. والميدان الوحيد المتبقي هو السياسة الواقعية التي تقوم على ركيزتين: تماسك داخلي يمنح قوة تفاوضية حقيقية وقدرة على بناء توافقات وطنية. والاستفادة من التناقضات (المحلية والإقليمية) التي تخلق الفرص. أما غياب ذلك سيعني أن نكون مجرد ملف وورقة على الطاولة.
واخيراً، والأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا هو هذا السؤال: ألم يحن الأوان لظهور مشروع وطني سوري يتجاوز ثنائيات موالاة/ معارضة، مركز/ أطراف، غالب/ مغلوب، أغلبية/ أقلية.
ألم ندرك بأن عدم تجاوز ذلك سيضعنا أمام دورة جديدة من الصراع أكثر تعقيداً وأشد قسوة عنوانها “كل منا يريد سوريا لوحده”. كمن يأخذ قطعة من السفينة وينسى بأن ذلك سيكون سبباً في غرقها.
الكاتب: إيفان علي
