تمرُّ الدولة السورية بمرحلةٍ انتقالية حرجة، عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر 2024. كما تواجه مؤسساتها التأسيسية، مأزقاً قانونياً وسياسياً، يتجلّى في تأخر انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب، وتأجيلِها لما بعد الموعد الذي تداولته وسائلُ إعلامٍ مقربةٌ من الحكومة الانتقالية، والذي كان مقرراً في الثامن من حزيران/ يونيو الجاري.
تعطيلٌ يتزامن مع عدم إعلان رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، عن قائمة أسماء الأعضاء المُعيّنين من قبله حتى الآن، والذين يشكلون ثُلث مقاعد البرلمان، أي 70 مقعداً من أصل 210، مما يضع البلادَ أمام حالةٍ من الغموض، ويثير تساؤلاتٍ عميقةً حول مستقبل صناعة القرار، وإعادة بناء هيكليةِ الدولة.
وكانت محافظة الحسكة آخرَ المحافظات، التي اختارت ممثليها لمجلس الشعب، وسط مقاطعةٍ كبيرةٍ من أحزاب كردية، وَصفت العملية الانتخابية بأنها تعيينات، وبأنها تشبه آليةَ اختيار أعضاء مجلس الشعب، إبّان حكم النظام السابق، فيما تبقى محافظةُ السويداء هي الوحيدة، التي لم تُجرَ فيها انتخاباتٌ برلمانية، في ظل وضعٍ أمني معقد، تعيشه المحافظة منذ تموز يوليو العام الماضي.
غياب قانون الأحزاب.. تعددية مشلولة وتنافس في الفراغ
ويرى مراقبون أن انعقادَ البرلمان، في ظل عدم إقرار قانونٍ عصريٍّ للأحزاب السياسية، يمثل جوهرَ الأزمة الهيكلية للحياة السياسية في سوريا الجديدة؛ إذ إن غيابَ هذا القانون، يحوُل دون ولادةِ تكتلاتٍ سياسيةٍ حقيقية ومنظمة، تعبّرُ عن نبض الشارع.
وبدلاً من وجود بيئةٍ حزبيةٍ تعددية ومستقرة، تجد القوى السياسيةُ الناشئة نفسَها، مُرغمةً على التحرك في فضاءٍ ضبابي، محكومٍ بآليات ناخبة غير مباشرة واقتراعاتٍ موضعية.
واقعٌ يهدد بتحويل البرلمان المرتقب، بحسب مراقبين، إلى مجرد تجمعٍ لشخصياتٍ مستقلة أو ممثلي لجانٍ مناطقية، تفتقر إلى البرامج السياسية الموحدة، مما يعوق بلورةَ معارضةٍ وموالاةٍ برامجية، قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية.
تداعيات التأخير.. شلل تشريعي يهدد سوريا ومؤسساتها
التأخر في إطلاق قطار الجلسات البرلمانية، يُلقي بظلاله الثقيلة على الدولة السورية ككل، فالمجلس هو المسؤول الأول عن سَنِّ قوانينَ وتشريعاتٍ جديدة، تواكب التطورات المتسارعة.
ويؤدي هذا الجمود التشريعي إلى تعطيل العدالة الانتقالية، وتأخير الإصلاح الاقتصادي، في ظل غياب الأُطُر التشريعية المنظمةِ للاستثمارات الخارجية وإعادة الإعمار.
كما يكرّس هذا التأخيرُ هيمنةَ السلطة التنفيذية، مع بقاء الصلاحيات التشريعية بيد الرئيس الانتقالي، مما يثير مخاوفَ شعبيةً وحقوقية، من إعادة إنتاج المركزية المطلقة، بالإضافة إلى أزمة تمثيل المكونات، وخاصةً في مناطقَ مثل السويداء، التي لم تختر مُرشحيها بعد، والكرد المتخوفين من إقصائهم مجدداً من الحياة السياسية.
قائمة “الثلث الرئاسي” ومخاوف التبعية السياسية
كما أن صمتَ الرئاسة الانتقالية حول هوية المعينين، في ما يُعرف بـ “حصة الرئيس”، يزيد من حدة التكهنات، حيث يرى منتقدون أن هذا التأجيلَ لا يقف عند حدود العقبات الفنية، بل يمتدُّ إلى حساباتٍ سياسية تسعى من خلالها السلطة التنفيذية، إلى هندسة البرلمان بدقةٍ عبر الـ 30% المتاحة للمناورة، لضمان تمريرِ حِزمة القوانين الأساسية والاتفاقيات الدولية، دون معارضةٍ حقيقية.
تأجيلٌ يضع مصداقيةَ التحول الذي تشهده سوريا على المحك، ويجعل الشارعَ السوري في حالة ترقُّبٍ وقلق، من تحول المؤسسة التشريعية التي طال انتظارها، إلى صدًى لقرارات الحكومة الانتقالية، بدلاً من أن تكون صوتاً حراً لسيادة الشعب.
