في خطوةٍ تُنذر بتفجير ما تبقّى من استقرارٍ هشٍّ في الشرق الأوسط، يأتي الحديث عن إمكانية دخول الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية لقتال حزب الله، بناءً على توجيهاتٍ مباشرةٍ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليضع الحكومةَ السورية الانتقالية أمام ما أسماها مراقبون، بمقامرةٍ تاريخية غير مأمونةِ العواقب.
فالاستجابة لهذه الإملاءات لا تعني سوى جرِّ سوريا، المنهكةِ من سنواتِ حربها الداخلية، إلى أتونِ صراعٍ إقليميٍّ مُدمّرٍ وصاخب، حربٌ لا ناقةَ للسوريين فيها ولا جمل، ولن تجلبَ لبلادهم سوى مزيدٍ من الدماء والدمار والتبعية الوجودية، وفق رأي محللين.
ويكتسب هذا التحذيرُ أبعاداً شديدةَ الخطورة والواقعية، بالنظر إلى التوقيت والسياق السياسي الراهن، إذ تشير المعطياتُ الدبلوماسية، إلى أن هذا التدخل العسكري المرتقب، سيتشكل بناءً على إملاءاتٍ وأوامرَ مباشرةٍ تُفرَض على دمشق، وتحديداً خلال الزيارة المرتقبة، التي من المرجح أن يجريها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى واشنطن، للقاء ترامب منتصفَ الشهر الجاري.
هذا اللقاء يحمل في طياته خطورةَ تحوُّلِ دمشق وجيشها، إلى مجرد أداةٍ تنفيذية، وبندقيةٍ مأجورة تخدم الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية. وبدلاً من التركيز على معارك البناء واستعادة السيادة، يُدفع بالجيش السوري للقيام بما يصفه سوريون، بالعمل القذرِ نيابةً عن قوًى طالما انتهكت حُرمة الأراضي السورية، مما يسقط أيَّ شرعيةٍ سياسية عن هذا التحرك، ويجعل دماءَ الجنود، ثمناً لتثبيت نفوذِ قوًى خارجية.
ولا يمكن قراءة هذا التدخل بمعزِلِ عن الموروث التاريخي القاتم بين دمشق وبيروت، إذ يستحضرُ اللبنانيون والسوريون الذاكرةَ السيئة، لتدخُّل الجيش السوري في لبنان، إبّان الحربِ الأهلية عام 1976.
تلك الحقبةُ التي فرضت ما يشبه الوصايةَ الأمنية والسياسية الخانقة، على مدار عقود، وصُبغت بالاغتيالات وقمع الحريات وشحنِ النفوس بالضغينة، غير أن المفارقةَ الأخطر اليوم، تكمن في طبيعة المواجهة، إذ من المتوقع أن يصطدم الجيش السوري بمقاومةٍ لبنانيةٍ شرسة وغير تقليدية، من قبل حزب الله وبيئته.
هذه المقاومة المتوقعة لن تتوانى عن الدفاع عن معاقلها وسلاحها، وسينظر عناصرها إلى التدخل السوري كعدوانٍ مباشر، مما سيحوّل القرى والبلدات اللبنانية، إلى مصيدةِ استنزافٍ دمويةٍ وشرسة، لعناصر الجيش السوري، تفوق بكثيرٍ كُلفة أي نفوذٍ موعود.
لكن الخطر الأعظمَ وفق مراقبين، ليس على لبنان فقط، بل على الداخل السوري. فمن يضمن أن الجيش الذي لم يتوحّد بالشكل الأمثل بعد، والذي ما زال يعاني من هشاشةٍ أمنيةٍ مقلقة، وفيضٍ من الفصائل، يستطيع خوض حربٍ خارج حدوده؟
الانزلاق إلى حربٍ بالوكالة عن أمريكا وإسرائيل، سيُفقد سوريا أوراقَ القوة التي بنتها بصعوبة، وسيحول أراضيها مجدداً إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية. ويرى مراقبون أنه في حال دخول سوريا إلى لبنان، فسيمنحون حزب الله وإيران طوق النجاة الذي يبحثون عنه لإعادة تموضعهم في المنطقة، وخلط أوراقها من جديد.
وعلاوةً على المخاطر الثنائية، فإن هذا الصدام يحمل في طيّاته بذورَ حربٍ طائفية شاملة، قد تحرق المنطقة. فدخول الجيش السوري في مواجهةٍ مباشرةٍ مع فصيلٍ مسلح رئيسي، سيعيد فرزَ الإقليم على أسسٍ مذهبية حادة، خصوصاً مع الوجود الكثيف لفصائل الحشد الشعبي الفاعلةِ والمتحفزة، على الحدود الشرقية لسوريا.
هذا التماس الجغرافي والعسكري، سيعمل كصاعقِ تفجيرٍ يربط جبهاتِ بغداد ودمشق ببيروت، ويهدد بتحول الأراضي السورية مجدداً، إلى ساحةِ تصفيةِ حساباتٍ كُبرى، ومستنقعٍ للفوضى العابرة للحدود، التي لن يسلم منها أحد.
ويؤكد مراقبون أن الانصياعَ السوري للإرادة الأمريكية في هذه اللحظة، ليس مجرد خطأ استراتيجي، بل هو انتحارٌ سياسي، يعيد إنتاج الوصاية بصورةٍ معكوسة، ويفتح أبواب الجحيم، لا سيما وأن سوريا خرجت للتو من نفقِ حربٍ استمرت أكثرَ من عقد، فلا يمكنها استبدالُ تبعية إيران بتبعيةِ واشنطن، ولا تحويل جيشها إلى أداةٍ لتحقيق أجنداتٍ خارجية، فلبنان علّم سوريا درساً قاسياً على مدار عقود، وحين يدخل جيشٌ ما لتصفية حساباته على أرض الغير، فإن الخاسر الأكبر من هذا الدخول سيكون هو.
