الكشف عن قاعدة سريّة أقامتها إسرائيل بمعرفة الولايات المتحدة – كما أشيع – خدمة للمجهود الحربي في العملية ضد إيران؛ لا ينفصل عن ترتيبات الداخل العراقي، التي يوجه معها رئيس وزرائه تحديات كبيرة بتوزيع أثقال النفوذ، بالذات النفوذ الإيراني، لا يقتصر هذا النفوذ على تحديّات الداخل، بل يمتد إلى تحديات العلاقة مع الخارج ، سيّما في إطار الكشف عن أمر يبدو أنه وفقا لأحد السيناريوهين أو لكليهما ليس بالقليل شأنه في جانب الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية معا.
إذا أردنا توزيع خياراتنا لفهم الدافع وراء هذا التسريب؛ نقصرها على سيناريوهين اثنين ، الأول يقوم على فكرة تفيد: بأن خصوم نتنياهو ومن والاهم، ومن يساندهم في الولايات المتحدة؛ يقفون وراء هذا التسريب، لكن فكرة كهذه تبدو قاصرة مع ضعف تأثير مثل هذه التكتيكات في تحقيق نتائج معيّنة، سيّما مع الدفع الأمريكي للعمليّة، ونقصد العملية المشتركه بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إذا أردنا أن نوسّع هذا الفهم قليلا ، نقول: إن هناك جبهه أمريكية جديدة اتّخذت من إسرائيل – كما غيرها – موقعا لهجوم أمريكي، سنتحدث عنها لاحقا، ربما هي من كانت سببا في الكشف عن هذه القاعدة ، نترك هذا إلى تفصيل لاحق .
السيناريو الثاني: أن جمود الملفّ الإيراني، مدفوعا باحساس ترامب بفشل كل المحاولات ، سواء العسكرية أو غيرها ، منها جرّ إيران إلى المكان المهزوم ، أو تحقيق نصر وهمي ؛ يمكن تسويقه داخليا وخارجيا، أدى بترامب إلى قبوله بدفع ثمن، وتحمّل مرارة كشف السرّ في أوان كهذا، يوجه معه ترامب ضربة تزعزع ثقة إيران في نفسها؛ من خلال ضرب أذرعها ، سيّما على الأرض العراقيّة، بعد أن تبين أنّ إيران لم تكن على علم بأمر هذه القاعدة، وإلّا لأعلنت، ولو بطريقة غير مباشرة فيما لو اكتشفت خرقا من داخل أذرعها، كنّا قد توصّلنا إلى نتيجة كهذه؛ حين فصّلنا موضوع إسقاط طائرة بالقرب من جزيرة خارك .
مع تسريب كهذا تجد إيران أنّ درعا من دروعها – ربما الأهم حتى الآن العراق – ، أو ظهرها، قد تسلّل إليه الاختراق، سيّما أنّ القاعدة – وفقا لما تسرّب – كانت في منطقة ينبغي أن تكون قريبة من مناطق تمركز الحشد الشعبي الموالي لإيران، والذي يعدّ جزءا من المؤسسة العسكرية الرسميّة وياتمر بأمرها؛ وسط تساؤل جدّي حول غياب هذه المؤسسة ، وما تحتويه استخباراتها، عن عمليات نقل المعدّات اللازمة لبناء قاعدة كهذه، الأمر الذي يعني حكماً : أن هناك اختراقا أمريكيا إسرائيليا داخل مؤسسات الدولة؛ كان من شأنه فرض غطاء ” أكثر من عسكري ” على مثل هذه القاعدة وربما غيرها، يأتي هذا في ذات توقيت إعلان الجيش الإسرائيلي الأخير؛ عن تنفيذ عمليات في شمال نهر الليطاني في لبنان ، غنيٌ عن البيان أن عمليات إسرائيل في لبنان، لا تغيب عن تنسيق مع الولايات المتحدة .
مثل هذا السيناريو الأخير ، وفي حال تم الإقرار بأن ترامب كان يقف وراء العملية ؛ واضطرّ إلى دفع هذا الثمن الذي يمثّل بالضرورة : أنّ ترامب قرّر التضحية بجزء من ثقل نتنياهو، هذا يؤكّد ما قلناه سابقا: بأنّ نتنياهو لا يعني لترامب سوى أنّه أداة توزيع أثقال ؛ يحرّكها حين يحتاج وزناً ما في منطقة أو مرحلة معينة، وما أن تنتهي المهمّة حتى يعيدها إلى مخزن الاحتياط .
في جهة أخرى : يزداد المشهد تعقيداً في مهمّة رئيس الوزراء العراقي المكلّف، الذي ضمّه ترامب – فيما لو انتهينا إلى تصوّر السيناريو الثاني – إلى قيمة الثمن المُضحّى به حكما حين عرّض منصبه هذا إلى تحدٍّ ربّما يفوق جميع التحدّيات التي رافقت تكليفه، نحن نقصد تحدّيا في مواجهة البحث عن مواطن التسلّل في مؤسسات الدولة الرسميه، وبالذات العسكرية منها؛ ما يعني بالضرورة صداماً محتوما معها ومع مكونات الهيمنة عليها، هذا من جهة ، من جهة ثانية: يعني هذا بالضرورة أنّ إيران سوف ترفع من نسبة حذرها باتجاه أرض العراق؛ وهو ما يعني إعادة تشكيلاتها وتموضعها في الأرض، ناهيك عمّا يحمله هذا من اتهام غير مباشر، وربّما يكون مباشراً للحكومة السابقة التي غفلت أو تعمّدت تجاهل مثل هذا الأمر، سيّما مع ظروف اكتنفت عملية اكتشاف القاعدة، ومقتل المبلّغ عنها .
خطوة كهذه: في السيناريو الأول تضمن تشتيت سيطرة ترامب على المشهد، بالذات في العراق بهذا تكون ساحات المجابهة التي ينبغي على ترامب مجابهتها قد توسّعت في غفلة منه. أمّا السيناريو الثاني: فيعني أنّ ترامب ضَمِن عدم قدرة رئيس وزراء العراق الجديد على تشكيل ائتلافٍ داعمٍ يمكن معه اللعب على الحبال، والتلوّن بألوان المواقف، ومراوغة رغبات ترامب بما يضيّع زمن لحظات حسمه .
لن نعلن نتيجة المفاضلة بين الخيارين السابقين – برغم توصّلنا إليها – لكنّنا نجزم – كما فعلنا سابقا – أنّ هناك فشلا عسكريّا أمريكيّا إسرائيليّا كبيرا جدّا؛ يدفع ترامب إلى التفكير ألف مرّةٍ قبل البدء بعمليّة حاسمة سريعة، لكن مع هذا كلّه لم تستفد إيران من فشلٍ كهذا ؛ باعتبار أن القيادة فيها تفتقر إلى الكثير من طباع العسكرة .
الكاتب : د. راشد الشاشاني

