لم يعد مضيقُ هرمز أبرزَ شرايين الطاقة في العالم فقط، بل تحوّل لعقدةٍ جيوسياسية، في معادلةٍ عالمية تبدو مستحيلةَ الحل، ونقطةِ اشتعالٍ تُنذر بمواجهةٍ مفتوحة، على كافة الاحتمالات.
ورغم الحديث مؤخرًا عن تفاهمٍ أمريكي إيراني مشترك، حول إطار عملٍ واتفاقٍ جزئي محتمل، فإن المداولات والمقترحات المتبادلة عبر الوسيط الباكستاني لا تبشّر بانفراجة، وعليه فإن الوضعَ مازال على حافة الهاوية، كيف لا والحرب لم تضع أوزارها بعد، وكل طرفٍ يرفع سقف التفاوض، ومازال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يلوّح بالجزرة حينًا وبالعصا أحيانا.
مراقبون يرون أنه لم تكن في حسابات الولايات المتحدة، الصدمةُ التي حدثت في الأسواق العالمية نتيجةَ إغلاق هرمز، بعد أربعين يومًا على الضربات الجوية المركّزة، والتي استهدفت مواقعَ عسكريةً ومنشآتٍ لوجستيةً وبنًى تحتيةً مرتبطة بقدرات إيران الإقليمية، وتسعى واشنطن الآن إلى إدارة الأزمة، ضمن حساباتٍ تتيح لها الضغطَ على طهران، وتدفع بخياراتٍ أخرى، من دون العودة للحرب.
أما إيران فيبدو أنها تجاوزت صدمةَ مقتلِ المرشد علي خامنئي، وبقية قيادات الصف الأول، وتقول إن وضع ما قبل الثامن والعشرين من شباط فبراير، تاريخِ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، لن يُشابه ما بعده، فهي وإن لم تكن تتوقع النتائجَ المذهلة التي حققتها، من تحكمها بإمداداتِ الطاقة وسلاسل التوريد، مُستخدمةً ذلك أداةً تفاوضية فعالة، فإنها تبحث بين ركام الضربات والخسائر المادية الكبيرة عن صورة مُنتصر، حالُها حال ترامب الذي وجد نفسه في وضعٍ محرج، وبحاجةٍ لتسويق انتصارٍ داخل أمريكا على وجه الخصوص.
أما باكستان فتتحدث الآن بنبرةِ خجلٍ عن نجاح وساطتها، في مرحلةٍ تتشابك فيها خيوط الدبلوماسية، مع مسرح العمليات العسكرية، وما يرافقه من أخطارٍ في مضيق هرمز، فالقطع العسكرية تهدّد وتتحرك نحو إعادة رسم خارطة القوة.
ملف هرمز كشف بحسب المحللين عن أزماتٍ جديدة، ليس أقلها أزمةُ ثقةٍ خفية بين واشنطن وحلفائها في الخليج، الذين وجدوا أنفسهم في مرمى الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وخارج دائرة الاهتمام الأمريكي، وسط تعطّلِ وتضرّرِ منشآتها وصادراتها النفطية، فيما لم يسلَمِ الشركاء الأوروبيين من التهديد والوعيد، والحرب الكلامية من جانب البيت الأبيض، وما حدث للكرد بسوريا لم يكن بعيدًا عن صورة الخذلان الأمريكي للحلفاء، والتي رسمها ترامب منذ توليه الحكم.
الآن السؤال الذي يطرح نفسه… ماذا يريد ترامب وفريقُه من إيران… هل يريدون تغيير نظام الحكم، أم أنهم لا يملكون استراتيجيةً واضحةَ المعالم، وما يحدث تخبطٌ يتأرجح بين إرضاء إسرائيل، وتحقيق انتصاراتٍ خارجيةٍ ترفع أسهم ترامب الانتخابية، وهو ما قرأته إيران بتمعُّن، وباتت سياستُها قائمةً على هذا الأساس……تعاند واشنطن وتتحداها بل وتهدد وتستعرض عضلاتها إعلاميًّا، ثم تعود لتغير من لهجتها خلف الأبواب المغلقة، في محاولةٍ لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها، في أحلك ظرفٍ تمر به خلال تاريخها المعاصر.
