في ظل غياب شبه كامل للرقابة تواجه المواقع الأثرية في سوريا واحدةً من أخطر فصول استنزافها جراء عمليات الحفر غير النظامي وتصاعد عمليات التنقيب غير المشروع باستخدام وسائل وأجهزة تباع وتتداول بشكل علني في الأسواق وعبر منصات التواصل الاجتماعي.
عمليات الحفر طالت معظم المناطق والمواقع بما في ذلك مواقع سبق أن تعرضت لعمليات تنقيب جزئية خلال فترة النظام السابق، ليعاد استهدافها اليوم، إلى جانب مواقع جديدة لم تسجل فيها أي أعمال حفر سابقة، وفق ما أفاد تقرير للمرصد السوري.
وفي موازاة ذلك تنتشر على نطاق واسع عروض بيع أجهزة يروج لها على أنها مخصصة للكشف عن المعادن والدفائن الأثرية حيث يتم تداولها عبر صفحات ومجموعات على مواقع التواصل دون أي ضوابط أو رقابة، ما ساهم في توسع دائرة التنقيب العشوائي.
كما رصدت عمليات عرض وبيع لمخطوطات وكتب وقطع أثرية عبر مجموعات مغلقة على تطبيقي واتساب وتلغرام في ظل غياب آليات واضحة للحد من هذا النشاط أو تتبع مصادره.
وتشير المعطيات إلى نشاط شبكات تجار آثار تعمل خارج الأطر القانونية، يتم عبرها تهريب قطع أثرية إلى خارج البلاد، خصوصاً باتجاه لبنان وتركيا، عبر مسارات غير شرعية يصعب تتبعها في الظروف الحالية.
ويرى مراقبون أن ما يجري يمثل استنزافاً متسارعاً للتراث السوري، حيث لم تعد القضية محصورة في عمليات فردية بل باتت أقرب إلى نشاط منظم يستفيد من الفوضى الأمنية وضعف الرقابة المؤسساتية ما يهدد بفقدان جزء واسع من الذاكرة التاريخية للبلاد.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرّك جاد من الجهات المختصة والهيئات المعنية بحماية التراث، لوضع حدّ لعمليات النهب المستمرة، وتفعيل القوانين الرادعة بحق المتورطين في الحفر غير النظامي والاتجار غير المشروع بالآثار.
وإزاء هذا التدهور المتسارع، تتضح خطورة المرحلة الراهنة، إذ إن حماية الإرث الثقافي السوري لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل مسؤولية وطنية وإنسانية عاجلة، تتطلب تعاونًا محليًا ودوليًا لضمان عدم فقدان ما تبقّى من الذاكرة التاريخية والحضارية لسوريا.
