في سياقٍ يتسم بتعقيداته التاريخية وتشابكاتِه القانونية، عاد ملفُّ “الأوقاف العثمانية” إلى الواجهة مجدداً، مدفوعاً بتطوراتٍ متلاحقة بدأت بإعادة تداول تصريحات معاون وزير الأوقاف في الحكومة السورية الانتقالية، سامر بيرقدار، والتي تحدث فيها عن تجاوزاتٍ طالتِ الأملاكَ الوقفية خلال السنوات الماضية.
تصريحات بيرقدار سلّطتِ الضوءَ على ممارساتٍ شمِلت بيعَ أصولٍ وقفية، والاستيلاءَ على أراضٍ، إلى جانب إبرامِ عقودِ استثمارِ مباشرة، ونقلِ ملكياتٍ ضمن إجراءات “التحديد والتحرير”، ممّا أعاد طرحَ تساؤلاتٍ قديمة حول مصير هذه الممتلكات.
غير أنّ الجدلَ لم يتوقفْ عند حدود هذه التصريحات، بل اتّسعَ مع الكشف عن مراسَلةٍ رسميةٍ وجّهتها وزارة الأوقاف إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية “ديانات”، طلبت فيها تزويدَها بنسخٍ من سجلات “الوقف العثماني” في دمشق وحلب وحماة، وهي وثائقُ تعودُ إلى الفترةِ الممتدة بين عامي ألفٍ وخمسِمئةٍ وستةَ عشرَ وألفٍ وتسعِمئةٍ وثمانيةَ عشرَ.
خطوةٌ فتحتِ البابَ أمامَ نقاشٍ أوسع، نظراً لما تتضمنه تلك السجلاتُ من بياناتٍ تتعلق بشبكةٍ واسعةٍ من الممتلكاتِ الوقفية، التي تشكّلُ جزءاً أساسياً من البنية الاقتصاديةِ والعمرانية في سوريا، ويُقدّر عددُ عقاراتها بنحو سبعةٍ وثلاثين ألفَ عقار، تتركز غالبيتها في حلب ثم دمشق.
وبينما ترى وزارة الأوقاف في هذا التحرك مسعىً لاستعادة الحقوق، وتنظيمِ الأملاكِ الوقفية، يحذّر حقوقيّون من تداعياتٍ محتملة، في ظلِّ هشاشةِ منظومةِ الأرشفة، وغيابِ إطارٍ قانونيّ واضح، ممّا قد يفتحُ البابَ أمام إعادةِ تشكيل المُلْكياتِ العقارية واندلاع نزاعاتٍ تمس حقوق شريحةٍ واسعة من السوريين.
ومع تصاعد هذا الجدل، يبرز تساؤلٌ لا يقلُّ حساسيةً.. إلى أيِّ مدىً يمكن الركون إلى سجلاتٍ تعود لحقبةٍ تاريخيةٍ مختلفةٍ تماماً في سياقٍ قانوني وسياسيّ معاصر؟ إذ يرى منتقدون أنّ العودةَ إلى الوقف العثمانيّ قد تتجاهلُ التحولاتِ العميقةَ التي طرأت على بنيةِ الملكية في سوريا، وتفتحُ البابَ أمام واقعٍ قانونيّ ملتبس، يُعاد فيه تفسيرُ الحقوق وَفقَ مراجعَ تاريخيةٍ قابلةٍ للتأويل، بما قد يكرّسُ نزاعاتٍ جديدةً بدلَ معالجتِها.
