بين الشعار والواقع، مسافةٌ لا تُقاس بالكلمات بل بخرائط النفوذ على الأرض؛ إذ ترفع الحكومة السورية الانتقالية شعار “وطن واحد وعلم واحد”، غير أنّ الوقائع الميدانية ترسم صورة مغايرة، حيث تتوزّع السيطرة بين قوى خارجية متعدّدة، لكل منها حضورها العميق ومصالحها الممتدة. فلا يبدو الشعار تعبيراً عن حالة قائمة بقدر ما هو إعلانٌ يتجاوز ما تسمح به معادلات الميدان.
وفي هذا الإطار، لا يكتفي الشعار بكونه توصيفاً طموحاً، بل يتحوّل إلى خطاب يفتقر إلى أدواته التنفيذية، في ظل غياب مقومات السيادة الفعلية على الأرض. ومع تشابك مناطق النفوذ وتعدّد مراكز القرار، تتراجع إمكانية ترجمته إلى مشروع قابل للتحقق، ليبقى أقرب إلى صيغة رمزية منه إلى برنامج عمل واضح المعالم.
في الشمال السوري، يتجلّى الحضور التركي بوضوح عبر سيطرة تمتد على مساحات واسعة، تشمل عفرين والباب ومناطق أخرى، ضمن منظومة من الترتيبات الإدارية والخدمية والاقتصادية المرتبطة مباشرة بالمؤسسات التركية. ولا يقتصر هذا النفوذ على البعد العسكري، بل يتجاوزه إلى إدارة تفاصيل الحياة اليومية وتوجيه مساراتها، في ظل رفع العلم التركي فوق المباني الرسمية، بما يحمله ذلك من دلالات سيادية صريحة.
وأمام هذا التمدد، لا تبدو الحكومة في موقع المواجهة أو حتى السعي إلى الاحتواء، بل تميل إلى التعاطي معه كأمر واقع، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول حدود دورها الفعلي، وقدرتها على الإمساك بزمام إدارة البلاد.
هذا التباين الحاد بين الخطاب والممارسة يتبدّى كذلك في أحداث ميدانية حديثة، من بينها خروج مظاهرات في منطقة جبل عقيل بريف حلب الشمالي، حيث طالب السكان بإزالة القاعدة التركية واستعادة أراضيهم وممتلكاتهم. ورغم وضوح هذه المطالب ومباشرتها، غاب موقف حاسم من قبل الحكومة الانتقالية، التي بدت وكأنها تلوذ بالصمت أو تتعمد تجاهل هذه التحركات.
أما في الجنوب السوري، فيترسّخ حضور إسرائيلي من خلال عمليات عسكرية متكررة وتوغلات شبه يومية، إلى جانب إجراءات ميدانية تفرض واقعاً أمنياً جديداً يثقل كاهل السكان. ومع خطورة هذا المشهد، لا تبدو الحكومة مالكةً لإستراتيجية واضحة للتعامل معه، ما يعكس محدودية تأثيرها وتراجع قدرتها على الفعل في هذه الجغرافيا الحساسة.
في ضوء ذلك، يرى مراقبون أنّ شعار “وطن واحد وعلم واحد” يواجه اختباراً حقيقياً يمسّ جوهره؛ إذ كيف يمكن الحديث عن رمز سيادي موحّد، في ظل انتشار أعلام وقوى أجنبية على مساحات واسعة من البلاد؟ إن العجز عن إنهاء هذا الواقع-سواء كان مردّه إلى ضعف الإمكانات أو غياب الإرادة السياسية-لا يكشف فقط حدود السلطة الفعلية للحكومة، بل يضع خطابها برمّته موضع مساءلة عميقة، ويُضعف من رصيده في نظر الداخل والخارج على حد سواء.
