يشير قرار الولايات المتحدة الأمريكية حول تمديد مهمة هذه الطائرات القديمة حتى 2023 ، بعد أنْ كانت مقرّرةً إحالتُها الى التقاعد في 2026، إلى بعض ملامح الحرب على إيران، وخطط الولايات المتحدة تجاهها، سواء تلك التي نفذت بنجاح، أو تلك التي فشلت واستُعِيض عنها بغيرها، أو تلك التي ما زالت في صف انتظار ساعة صفرها، من جهة يشير هذا الى التطلّع بجدّية، تفوق جدّية التفاوض، الى مواصلة عمليات عسكرية تمهد أو تعد لعملية برية حاسمة مباغتة.
من جهة ثانية: يشي هذا بحجم الاستنزاف الذي تعرّضت له القوة العسكرية الأمريكية، في مقابل تباطؤ إنتاج ما يمكن أنْ يعوّض هذا النزف، هذا ما ظهر في تجاهل دعوات الاستغناء عن هذه الطائرة المكلفة من حيث الصيانة، في مقابل تطوير أسلحة فرط صوتية.
بطء الإنتاج هذا لا يقاس بعدد القطع المنتجة، بل بكمية الاستهلاك اليومي الضخمة التي تصل حدوداً قياسية، قد تًقدر حتى بالساعات لا بالأيام في نظير استهلاكها في حروب أخرى.
كل ذلك في سبيل حصول الولايات المتحدة على ” نقطة صفر الإجهاز ” على إيران، وهي تلهث خلف هذا الأمل وجدت نفسها مضطرة إلى كثرة التهديد مع قلّة التنفيذ في صعيد هذه التهديدات، ممّا اعتبره بعض مسؤوليها خطة سياسية تتّبعها الإدارة وعلى رأسها ترامب فيما عُرِفَ ” بالغموض الإستراتيجي”.
غموض ترامب الإستراتيجي لم يكن موفقاً، في محاولة منفعلٍ متسرّعٍ مثله لمراوغة هاديء بارد الأعصاب غير مكترث كالإيراني، ممّا أودى به في فخ حاجة حالية ملحّة إلى ضرورة فرض حصار فوق حصاره؛ بغية ملاحقة إفشال إيران لهذا الحصار من حيث الأهداف، التي سعى فيها ترامب الى إركاع إيران. برود الأعصاب الإيراني لم يقتصر على إيهامه ترامب فكرة التخلّي عن إنجاز صفقة ضخمة بدقائق في سبيل تفويت فرصة هدوء أعصاب إيران للتحكم في المضائق، بل امتد إلى حروب إيران الإعلامية التي بثّت في كلِّ مواقعها منصةً من منصات التحكم في الأعصاب.
عودة الى تمديد مهمة A-10 Warthog تشير من جهة ثالثة هذه الانحناءة أمام قدرات طائرة قديمة إلى ضرورة أوجبتها، كنّا قد ذكرناها سابقاً، وهي فشل تجربة أرضية لمحاولة غزو بري، ربما كانت في محيط جزيرة خارك، هذا يعني في نظرنا أنّ تقديراتِ صعوبة المهمة العسكرية لم تكنْ مبنيةً على مجرد معلومات استخباراتية – فشلت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في تحديد دقتها، بل تبِعتْها تجربة عملية حسمت على الأقل بالنسبة لترامب، خطورة تهوّر كهذا، بحيث لم يعدْ يمكن لترامب أنْ يصدّقَ تاكيداتِ مسؤوليه الذين تحوّلوا إلى ما يشبه دورَ مسؤولي الأسد ” قبل أنْ تتطايرَ ملابسه الداخلية في فضاء الهروب “، حين كانوا يهبطون إلى نسبة 99.9 %، وهم يؤكدون له صوابَ وحكمةَ قراراته، هذا المأزق الذي وقع فيه ترامب بعد دخولِه غيرِ الواعي للحرب يجعله في حالةٍ تشبه حالة وزير دفاع الأسد حين كان يتحدث عن الانسحاب التكتيكي.
من جهة رابعة: يعني هذا التمديد أنّ هناك معاركَ ضاريةً على الأرض، ولو بمحاولة الاقتراب منها، كلفت الكثيرَ من العتاد الذي ذهب خدمةً لكسر الصخور وتفريقِ الرمال دون عائد عسكري مناسب.
وكانت أكثر ميادين هذه المحاولات هي الاستهدافاتُ المتكررة التي حاولت إنهاء المفاعلات النووية، هذا يعني أنّ ترامب متأكدٌ تماماً أنه لم يتمكن من إضعاف القوة النووية لإيران كما يزعم، كلما رفع قدماً وحطّ أخرى.
مأزق ترامب هذا أخذ جانباً باتجاه عدم الثقة بمَنْ حولَه، بل إنّ هناك من مسؤوليه من سيورطه إما بخبثه أو بغبائه، وقد ظهر في الإقالات العسكرية والسياسية الأخيرة شيءٌ من هذا، كان آخرَها إقالةُ وزيرة العمل ” ديرمر “.
في جانب آخر يواجه ترامب جدار صعوبة التضاريس الأرضية التي تُحتِّم استخدام طائرة قديمة لمهمة عسكرية، بحيث تتفوق في فاعليتها العملية التي تفرضها أرض المعركة، برغم قِدمها، على آخر منجزات صناعة فرط الصوت، وهو أمرٌ يغيّر معادلة القوة ويسحبها من حساب التصنيع الى حسابات أخرى ، ربما الإرادة أو الإصرار أو حسابات العقائد، بغض النظر عن ماهيتها، في مقابل حسابات المنافع والمصالح.
هذه الحسابات واحدةٌ من عناصر عدة، تقف خلفَ مراوغات ترامب في مسألة التفاوض لإحداث توازن اقتصادي من جهة ضغط التكاليف التي بات الداخل الأمريكي يصرخ بفعلها مدفوعاً بالارتفاعات التي أنهكته، قبل أنْ تنهك غيره، ناهيك عن الخوف من مفاجآت إيرانية لم تكن في الحسبان، في مقابل جهل إيران ببعض خطط ترامب التي يستند إليها في هجومه غيرِ المحسوب في حال لم يتمكن من إنهاء الحرب قبل ذلك.
الكاتب: د . راشد الشاشاني

