إن الواقع السوري بمعضلاته الحالية يُعد نموذجاً صارخاً لاشتباك الفعل السياسي مع الضرورة الواقعية، حيث لم تعد السياسة في هذا الواقع مجرد فن الممكن، بل تحولت إلى عملية إدارة معقدة لواقع مفروض يتسم بالتصلب والجمود؛ في هذا السياق، تفرض الوقائع في الحدث السوري مسارات إجبارية لا تملك الأطراف الفاعلة ترف القفز فوقها، مما يولد حالة من التماهي القسري مع المعطيات الراهنة؛ هذا التماهي ليس استسلاماً بالضرورة، بقدر ما هو اعتراف بموازين القوى التي تشكلت جراء طبيعة هذا الحدث، خاصةً أن هناك حقائق صُلبة تستدعي تعاملاً واقعياً لضمان الاستمرارية أو لتقليل الخسائر في حدها الأدنى.
إلا أن العمل ضمن المسارات الإجبارية المفروضة لا يعني انغلاق الأفق السياسي، بل يستوجب ابتكار ما يمكن تسميته بـ الاستراتيجية البديلة أو الموازية؛ هذه الاستراتيجية لا تعمل على الصدام المباشر مع الواقع المفروض، بل تسعى إلى التسلل من خلال ثغراته لتطويق آثاره الجانبية ومنع تحوله إلى قدر نهائي غير قابل للتغيير، وهنا تبرز مهارة الفاعل السياسي في إدارة الازدواجية الاستراتيجية ضمن مسارين؛ المسار الأول هو مسار العلانية والواقعية، وهو الذي يلتزم بالواقع والتفاهمات التي تفرضها قواعد اللعبة، أما المسار الثاني فهو الاستراتيجية التي تبقى تحت الضوء ولكن دون صخب، بمعنى استراتيجية النفس الطويل التي تهدف إلى إعادة بناء الأوراق الداخلية، وتعزيز الشرعية المجتمعية، وخلق شبكات مصالح عابرة لخطوط التماس، تحضيراً للحظة التي قد تهتز فيها التوازنات الكبرى.
بين هذين المسارين، تنشأ مساحة رمادية حرجة تتطلب مرونة فائقة وقدرة على المناورة السياسية العميقة؛ في هذه المساحة يتم تحويل التماهي مع الواقع إلى أداة لتعطيل مفاعيله الأكثر خطورة، بحيث يصبح الانخراط في المسارات المفروضة وسيلة لا غاية، والهدف منها هو كسب الوقت وتجميد الصراع في نقاط لا تسمح بانهيار المشروع السياسي بالكامل، نتيجة لذلك فإن الاستراتيجية البديلة في الحالة السورية لا تعتمد على المواجهة الخشنة، بل على القوة الناعمة وإعادة التموضع الذكي، وهي تحاول دائماً الإجابة على سؤال: كيف يمكن الحفاظ على جوهر القضية حياً في ظل معطيات تتجه نحو التطبيع مع الأمر الواقع؟.
إن التشابك بين ما هو مفروض وما هو مُخطط له يخلق نوعاً من الديناميكية الساكنة، حيث يبدو المشهد في ظاهره متجمداً، بينما يغلي في عمقه صراع محموم على إعادة تعريف الفعل السياسي والسيادة والشرعية والمستقبل؛ بهذا المعنى فإن النجاح في هذا المسار المزدوج يعتمد في القدرة على الفصل الوظيفي بين الخطاب السياسي الموجه، وبين الممارسة السياسية التي تستهدف الحفاظ على مقومات المجتمع.
وبناءً على ذلك، فإن الاستراتيجية التي تبقى تحت الضوء هي بمثابة الاحتياطي الاستراتيجي الذي يمنع المسار المفروض من ابتلاع الهوية السياسية والاجتماعية، مما يجعل من العملية السياسية بمثابة المعادلة الإستراتيجية والتي تهدف في نهاية المطاف إلى تحويل الواقع المفروض من قيد مكبل إلى قاعدة انطلاق جديدة، بمجرد أن تتهيأ الظروف للتحول الكبير.
الكاتب والباحث السياسي أمجد إسماعيل الآغا
