أثار إعلانُ وزارة الإعلام في الحكومة السورية الانتقالية عن “مدونةَ السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا ألفين وستة وعشرين” جدلاً واسعاً في الأوساط الصحفية والحقوقية، وسطَ تساؤلاتٍ حول مضمون الوثيقة وشفافية إعدادها، في وقتٍ يؤكد فيه مسؤولون عدم وجودِ خطاب كراهية في البلاد، وهو ما يراه مراقبون متناقضاً مع الواقع الإعلامي المتداول.
وعلى الرغم من الحديث الرسمي عن وثيقة تتجاوز ثمانين صفحة، ومشاركة نحو ألف إعلامي في صياغتها، لم يتم تداول النص الكامل للمدونة، كما لم تُكشف أسماء المشاركين أو المعايير التي جرى اعتمادها لاختيارهم، وفقَ ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، ما فتح باب الانتقادات حولَ غيابِ الشفافية.
وخلال حفل الإشهار، أكد مسؤولون حكوميون عدمَ وجودِ خطاب كراهية في سوريا، إلا أن المرصد أشار إلى أن التقارير التي يرصدها توثّق بشكلٍ شبه يومي مضامين إعلامية تتضمن توصيفات تحريضية واتهامات جماعية تمسُّ معارضين سياسيين ومكوّنات اجتماعية ودينية، وهو ما يراه حقوقيون تجاوزاً لحدودِ النقد السياسي إلى التخوين والشيطنة.
وفي موازاة ذلك، برزت خلال الفترة الأخيرة حساباتٍ مؤثرة على منصات التواصل، خاصةً تطبيق تيك توك، تحوّل أصحابها إلى ما يشبه “نجوم الرأي”، مع حضورٍ في فعاليات عامة ومنابرَ إعلامية، الأمرُ الذي أثار انتقاداتٍ لطبيعة الخطاب الذي يقدمه بعضهم، خصوصاً مع اتهاماتٍ بترويج مضامين ذاتِ طابعٍ طائفي أو إثني.
وتشير الوقائع إلى تصاعد نبرة التحريض في بعض المقاطع المصوّرة، حيث يجري استهداف مكوّنات سورية بخطاباتٍ تعميمية أو ربطها بسياقاتٍ أمنية وعسكرية، وهو ما يحذر حقوقيون من أنه قد يهدّد السلم الأهلي ويعمّق الانقسامات المجتمعية.
ويرى إعلاميون وصحفيون أن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في التطبيق والممارسة، فأيِّ مدونة سلوكٍ يجب أن تبدأ بوقف التحريض وضمان التعددية.
كما يطرح صحفيون تساؤلاتٍ حول جدوى الحديث عن مكافحة خطاب الكراهية، في ظلِّ استمرار حملات التشهير ضد منتقدي السياسات الحكومية، ووصمهم بصفات تخوينية، ما يضيّق هامش النقاش العام ويقوّض التعددية الإعلامية.
بين الوعود الرسمية بالإصلاح الإعلامي، ومطالبِ الشفافية ووقف التحريض، يبقى السؤال مطروحاً، هل تمثّل مدونة ألفين وستة وعشرين، خطوةً حقيقية نحو إعلامٍ مهني جامع، أم أنها ستظل إعلاناً جديداً لا يغيّر من واقع الانقسام القائم؟
