في ظل حرب ممتدة وتوازنات هشة، يقف اليمن اليوم أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكّل مراكز القوة والنفوذ، حيث لم تعد خريطة الصراع محصورة بين طرفين، بل باتت موزعة بين قوى متعددة تتنافس على الأرض والقرار السياسي والعسكري.
ومع تصاعد التحركات الميدانية وتبدّل خطوط السيطرة، تبرز مؤشرات على تحولات قد تعيد رسم شكل الدولة اليمنية ومستقبل السلطة فيها، في مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الأبعاد الإقليمية والدولية.
حيث أن قوات المجلس الانتقالي الجنوبي تفرض سيطرتها على مساحات واسعة في جنوب البلاد، تشمل العاصمة المؤقتة عدن، ومحافظات لحج، والضالع، وأبين، وشبوة، إضافة إلى أرخبيل سقطرى ذي الأهمية الاستراتيجية.
وخلال الأسابيع الأخيرة من عام 2025، شهد نفوذ هذه القوات توسعًا ملحوظًا باتجاه الشرق، حيث بسطت حضورها على معظم المناطق في محافظتي حضرموت والمهرة، ضمن عمليات أمنية وعسكرية حملت اسم “المستقبل الواعد”.
هذا التمدد ترافق مع تصاعد توترات سياسية مع مجلس القيادة الرئاسي، واندلاع اشتباكات في منطقة الخشعة بوادي حضرموت، بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات موالية لتنظيم الإخوان.
في المقابل، يتركز نفوذ قوات مجلس القيادة الرئاسي الحكومي والقوات الإخوانية المنضوية تحته في نطاقات محدودة نسبيًا، أبرزها مركز مدينة مأرب ومناطق إنتاج النفط والغاز فيها، إضافة إلى مدينة تعز التي ما تزال محاصرة جزئيًا، وأجزاء متفرقة في محافظتي حضرموت والمهرة.
ويعاني هذا المعسكر من تراجع في السيطرة الجغرافية مقابل احتفاظه ببعض المواقع الاقتصادية والعسكرية الحساسة.
أما قوات المقاومة الوطنية، بقيادة طارق صالح والمنضوية رسميًا ضمن قوات الحكومة، تتمركز بشكل رئيسي في الساحل الغربي، خاصة في ميناء المخا الذي يُعد مقرها الرئيسي، إضافة إلى مديريات الخوخة وحيس ومناطق في جبل البرح.
وتسيطر هذه القوات فعليًا على الممرات البرية المؤدية إلى مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، ما يمنحها وزنًا مؤثرًا في ملف أمن الملاحة البحرية الإقليمية والدولية.
في الجهة المقابلة، يواصل الحوثيون سيطرتهم على نحو خمسة وثلاثين في المئة من مساحة اليمن، لكنها تضم الكتلة السكانية الأكبر، حيث تشمل مناطق نفوذهم العاصمة صنعاء، ومحافظات صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، وعمران، وإب، وحجة، إضافة إلى سيطرتهم على معظم محافظة الحديدة باستثناء أجزاء من الساحل الجنوبي. كما يسيطر على أجزاء واسعة من محافظات تعز، والجوف، والبيضاء، وأطراف من محافظة مأرب.
هذا التفرق في النفوذ، وتعدد مراكز القرار، يعكس عمق الأزمة اليمنية وتعقيد مسارات الحل، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات كبرى، سواء عبر صدامات جديدة بين القوى المتنافسة، أو من خلال تسويات تعيد توزيع السلطة والنفوذ في دولة ما تزال تبحث عن شكلها النهائي.
