في ظل تفشي الفقر واستمرارِ حالة انعدام الأمن في الساحل السوري، كشف تقريرٌ جديدٌ لوكالة رويترز، أن الجهود التي بذلتها الحكومة السورية الانتقالية لمعالجة تداعيات أحداث الساحل لا تزالُ ضئيلةً للغاية، ولا ترقى إلى حجم الأضرار الواسعة التي خلّفتها أعمالُ العنف.
وذكرت الوكالة، خلال مرافقتها أعضاء من “اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي” التي شكّلتها دمشق عقب أحداث العنف في محافظتي اللاذقية وطرطوس، أن هذه الخطوةَ تمثل محاولةً ناشئة ومثيرة للجدل، لكسب ولاء الطائفة العلوية في سوريا.
عضو اللجنة حسن صوفان، أقرَّ بوجود حالةٍ من الغضب الشعبي، إزاء تعاون السلطات الجديدة مع شخصياتٍ من المؤسسة الأمنية التابعة للنظام السوري السابق، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن القيادةَ السورية تنظر إلى الملف من زاويةٍ أوسع.
وبحسب اللجنة، فإنه وبعد مرور أكثرَ من تسعة أشهرٍ على أعمال العنف، لم يتم ترميمُ سوى أقلَّ من عشرةٍ في المئة، من نحو ألف منزلٍ متضرر، إضافةً إلى وجود شريحةٍ واسعة من المتضررين، لم تتمكن اللجنة من الوصول إليها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
وقال أحد المتضررين من أحداث الساحل، إن ثلاثة عشر منزلًا تعود لعائلته أُحرقت، كما سُرقت ماشيتُهُم في شهر آذار/مارس الماضي، مضيفًا أن اثنين من أقاربه لا يزالانِ في عِداد المفقودين منذ تلك الفترة. وأشار إلى أن أعمال الإصلاح توقفت بالكامل، بعد زيارة فريق رويترز للمنطقة في أيلول/سبتمبر الماضي.
رويترز: شخصيات مثيرة للجدل ضمن أعضاء اللجنة التي شكلتها دمشق بعد أحداث الساحل
وسلّط تقريرُ رويترز الضوءَ على الطبيعة المثيرة للجدل لأعضاء اللجنة، مشيراً إلى أن بعضهم يمتلك تاريخاً عسكرياً خلال سنوات النزاع السوري. فحسن صوفان، كان قائداً سابقاً في صفوف المعارضة المسلحة، في حين يضمُّ التشكيل خالد الأحمد، الذي لعب دوراً في مساعدة نظام بشار الأسد على استعادة مناطقَ خلال الحرب، عبر اتفاقيات استسلام.
كما تضم اللجنة فادي صقر، قائد ما يسمّى “قوات الدفاع الوطني” التابعة للنظام السابق، والتي اتهمتها منظماتٌ حقوقية بارتكاب مجازرَ وعملياتِ نهبٍ وانتهاكات جسيمة. وقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على صقر، لدوره في مذابحَ خلال الحرب، في حين أقرّ صوفان بتعاون السلطات في دمشق معه.
وأثار هذا التعاون موجةً من الانتقادات، إذ اعتبره معارضو اللجنة محاولةً سطحية من الحكومة الجديدة لترسيخ سلطتها، مع السماح لشخصياتٍ بارزةٍ من النظام السابق بالإفلات من المحاسبة. ورغم تأكيدِ دمشق أن طلبات العفو تخضعُ لإجراءاتِ تدقيقٍ صارمة، لمنع شمول مُرتكبي الجرائم الخطيرة، فإن العملية، بحسب رويترز ومنظماتٍ حقوقية، تتّسم بالغموض، ما يقوّض مبادئ الشفافية والمساءلة واستقلال القضاء.
وأفادت الوكالة بأن عدداً كبيراً من أبناء الطائفة العلوية، يعارضون عمل اللجنة، ويعتبرون التعاونَ مع السلطات السورية، ذات التوجه الإسلامي بمثابة خيانةٍ عظمى.
وكان بعض العلويين قد رأوا في الإطاحة ببشار الأسد العام الماضي، فرصةً لتحسين أوضاع أبناء طائفتهم، التي يعاني كثيرٌ من أفرادها من الفقر المدقع، غير أن موجات التسريح الجماعي، وحوادث القتل التي طالت علويين في الأشهر اللاحقة، ثم أحداث الساحل، عمّقت مشاعرَ الخوف والتهميش، وزادت من حالة انعدام الثقة برئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع.
وأبرزت المظاهرات التي خرج بها علويون خلال الأيام والأسابيع الماضية، حجمَ التحديات التي تواجه اللجنة، حيث طالب آلافُ المتظاهرين بحكمٍ لامركزي، والإفراج عن المعتقلين. ولم تستمر الاحتجاجات سوى نحو ساعة، قبل خروج مظاهرةٍ مؤيدةٍ للحكومة، لتتدخل قوات الأمن لاحقاً وتفضَّ التجمع بإطلاق النار.
