رغم مرور ما يقرب من عام على إطلاق عملية السلام في تركيا إثر النداء التاريخي الذي أطلقه قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، لا تزال العملية أسيرة الجمود، مع غياب أي خطوات ملموسة من جانب أنقرة، ما يطرح تساؤلات حول مدى جديتها في التعامل مع العملية.
ففي السابع والعشرين من شباط/فبراير الماضي، أطلق قائد العمال الكردستاني نداءً تاريخياً تحت شعار “السلام والمجتمع الديمقراطي”، داعياً الحزب إلى إنهاء الكفاح المسلح والانتقال للعمل السياسي، في خطوة مفصلية شكلت نقطة تحول قد تمهد لحل القضية الكردية في تركيا.
نداء أوجلان أعقبته سلسلة خطوات ومبادرات غير مسبوقة اتخذها حزب العمال الكردستاني، أهمها وقف إطلاق النار مع تركيا، وحل نفسه، مرورا بإحراق عدد من أسلحته، ثم سحب مقاتلين من داخل تركيا، في تأكيد واضح على جدية التزامه بإنهاء الكفاح المسلح وفتح المجال أمام مرحلة سياسية جديدة.
لكن تطورات عملية السلام بقيت أحادية الجانب؛ إذ إن أنقرة، لم تتخذ خطوات توازي تلك التحولات، مكتفية بخطوات شكلية لا ترقى إلى مستوى الاستجابة لمطالب السلام.
جمود أنقرة جوبه بانتقادات متزايدة، لا سيما من قبل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الذي طالب بضرورة إجراء إصلاحات ديمقراطية وتعديلات دستورية توازي تلك المبادرات، ليشكل البرلمان التركي لجنة خاصة بالعملية في آب/أغسطس الماضي بمشاركة ممثلين من الأحزاب السياسية لوضع الإطار القانوني للعملية.
ومع ذلك، فإن عمل اللجنة لم يحدث اختراقاً ملموساً، فالخطوة العملية الوحيدة تمثلت في زيارة وفد منها لأوجلان في جزيرة إمرالي، وهي زيارة أثارت انتقادات واسعة بسبب محدودية نتائجها واقتصار مخرجاتها على تقرير مقتضب عُرض لاحقاً أمام البرلمان، وهو ما يعكس تعاطي أنقرة السطحي مع العملية.
وبانتقال اللجنة من جلسات الاستماع مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية إلى المرحلة المتمثلة في صياغة وطرح لوائح قانونية يفترض أن تشكل الإطار التشريعي للعملية، ساد ترقب واسع حول مدى فعالية مخرجاتها.
وفي ظل استعداد اللجنة لصياغة التقرير النهائي حول سبل حل القضية الكردية، قدمت الأحزاب المشاركة في اللجنة تقاريرها للبرلمان، وسط انتقادات لتقرير حزب الحركة القومية الذي ينكر وجود المشكلة، ولحزب العدالة والتنمية الذي يفتقر لأي رؤية واضحة للحل.
وبالتوازي مع ذلك، يبقى ملف “حق الأمل” لأوجلان على رأس المطالب، باعتباره المبادر الأبرز في العملية، حيث تشهد عدة مدن في تركيا فعاليات جماهيرية، تؤكد أن أي عملية سلام حقيقية لا يمكن أن تنجح دون خطوات متبادلة، وفي مقدمتها الحرية الجسدية لأوجلان.
وآخر ما شهده هذا الملف، هو قرار رئيس البرلمان التركي نعمان كوتولموش بتمديد عمل اللجنة لشهرين إضافيين لاستكمال تقريرها النهائي، تمهيداً لإصدار اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام… ويبقى السؤال هل ستتخذ أنقرة خطوات تعكس استجابة فعلية للمضي قدماً في ملف السلام، أم أن الجمود وسياسة المماطلة سيبقيان سيد الموقف؟
