يشكّل اليوم العالمي للهجرة، الذي يصادف الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر من كل عام، مناسبة دولية لتسليط الضوء على واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث. إذ لم تعد الهجرة مقتصرة على البحث عن فرص اقتصادية أفضل، بل باتت في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة للنزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، وتدهور الأوضاع المعيشية.
وبحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام ألفين وأربعة وعشرين، بلغ عدد المهاجرين الدوليين حول العالم نحو مئتين وواحد وثمانين مليون شخص، أي ما يعادل ثلاثة فاصل ستة بالمئة من سكان العالم، حيث كانوا يعيشون خارج بلدانهم الأصلية حتى عام ألفين وعشرين. ويعكس هذا الرقم اتساع رقعة الهجرة وازدياد اعتماد الأفراد عليها كخيار للبقاء أو لتحسين ظروف الحياة.
سوريا، التي عانى مواطنوها من ويلات الحروب، لا تزال من أكثر دول العالم تأثراً بظاهرة الهجرة والنزوح القسري خلال العقد الأخير، إذ أدت سنوات الصراع وتداعياته السياسية والاقتصادية إلى تهجير ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها. ورغم التغيرات التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام البعثي العام الماضي، لا يزال عدد كبير من السوريين يعيش أوضاعاً إنسانية قاسية، لا سيما في مخيمات النزوح المنتشرة في مناطق متعددة من البلاد وفي دول الجوار.
تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى أن مئات الآلاف من النازحين ما زالوا يقيمون في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية، والمياه النظيفة، والتعليم، وفرص العمل. كما تعاني هذه المخيمات من الاكتظاظ وضعف البنية التحتية، ما يجعل سكانها أكثر عرضة للأمراض والمخاطر الاجتماعية.
ورغم الآمال التي رافقت سقوط النظام، فإن غياب الاستقرار الكامل، وتدهور الوضع الاقتصادي، ودمار البنية التحتية، وضعف فرص العودة الآمنة والكريمة، جميعها عوامل حالت دون عودة واسعة النطاق للنازحين واللاجئين. وبقيت شريحة كبيرة من السوريين، ولا سيما الأطفال والنساء، عالقة في دائرة النزوح الممتد، ما يحوّل المخيمات من حلول مؤقتة إلى واقع دائم.
وتبرز هذه المعطيات أن إنهاء معاناة النزوح في سوريا لا يرتبط فقط بتغير النظام، بل يتطلب حلولاً شاملة تشمل إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وضمان الأمن، وخلق فرص اقتصادية حقيقية، إلى جانب دعم دولي مستدام يضمن كرامة الإنسان وحقه في العيش الآمن.
