عاصفةٌ من الجدل السياسي والإعلامي شهدها العراق الأسبوع الماضي، إثر نشرِ قائمةٍ حكومية تضمنت حزب الله اللبناني وجماعة الحوثيين، ضمن الكيانات المرتبطة بالإرهاب في جريدة الوقائعِ الرسمية، قبل أن تعلنَ السلطات أن الأمرَ كان “خطأً إدارياً” وتقوم بسحب القائمة سريعاً.
هذا التطور المفاجئ حمل بين طيّاته الكثير من التناقضات، وسلّط الضوءَ على حساسية هذا الملف إقليمياً وأمنياً، كما أثار تساؤلاتٍ حول آلياتِ اتخاذ القرار داخل المؤسسات العراقية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بجهاتٍ مرتبطةٍ بمحورٍ إقليمي ذي تأثيرٍ فاعلٍ في المنطقة.
الإعلان الأول أثار داخلَ البيت السياسي العراقي موجةَ اعتراضٍ قوية، من فصائلَ وأحزابٍ شيعيةٍ مقرّبةٍ من إيران، رأت في الخطوة انحرافاً عن المسار الاستراتيجي الذي يربط العراق بمحورٍ إقليمي، تتقاطع معه في الأمن والعقيدة والمصالح. لذلك اعتُبر التراجُعُ اللاحقُ انتصاراً لهذه القوى، ومؤشراً على أن حضورها في صنع القرار ما زال مؤثراً.
كما أن هذا السلوك المتردد بين إصدار القرارِ ثم سحبه، كشف وجودَ اختلافاتٍ عميقةٍ داخل مؤسسات الدولة، بين تياراتٍ تميل إلى الامتثال للضغوط الدولية وعلى رأسها واشنطن، التي تسعى جاهدةً لإنهاء ملف الفصائل المسلحة التابعة لإيران، وبين تياراتٍ لا تزال متمسكةً بالتحالف مع طهران، الأمر الذي يشير إلى أن القرارَ العراقي ما زال موزّعاً بين مراكزِ نفوذٍ مُتعددة.
على المستوى الاستراتيجي، تحاول الحكومةُ العراقية إيجادَ صيغة توازنٍ دقيقة، تتيح لها الحفاظ على علاقاتٍ بنّاءةٍ مع واشنطن، دون خسارة عمقها السياسي داخل البيئة الشيعية التي تشكل أساسَ سلطتها، إلا أن هذا التوازن يبدو هشّاً، ويجعل بغداد عُرضةً لأزماتٍ مشابهة، عند كل حدثٍ مرتبطٍ بمحور إيران.
وفي ذات السياق فتحت أزمةُ تصنيف حزب الله والحوثيين ضمن قوائم الإرهاب، بابَ النقاش حول استقلاليةِ القرار المالي والأمني في العراق، خصوصاً أن لجنةَ تجميدِ الأموال، يُفترضُ أنها جهةُ تكنوقراطٍ محايدة، ما دفع بعض القوى للمطالبة بإعادة تقييم منظومة الرقابة داخل المؤسسات السيادية.
وأمام ذلك كله، تباينت ردود فعل الشارع العراقي تجاه ما حدث، فبعض المواطنين رأى في الخطوة الأولى محاولةً لحماية العراق من التورُّطِ في صراعاتٍ خارجية، بينما اعتبر آخرون أن التراجُعَ يكشف استمرارَ تأثير القوى المرتبطة بإيران على القرار السياسي، ما يكشف في المحصلة عن واقعٍ سياسيٍّ حساس، يعيشه العراق بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان التحالفات الداخلية.
