أعادت زيارة وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكه راسموسن، إلى دمشق فتح ملف اللاجئين السوريين في أوروبا، بعد نحو 15 عاما من القطيعة الدبلوماسية, ووفق ما رشحَ من اجتماعاته مع المسؤولين السوريين، بدا واضحاً أن دمشقَ تتعامل مع المسألة من زاوية تفاوضية واسعة تتجاوز عملية إعادة محدودة، لتطالَ مستقبل العلاقات مع أوروبا والملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بها.
الحكومةُ السورية أبلغت الوفد الدنماركي عن رفضها لاستقبال أي سوري يُرّحل قسراً من الدنمارك، مؤكدة أن العودة لن تكون إلا طوعية ويمثل هذا الموقف استمراراً للسياسة السورية المعلنة خلال الأعوام الماضية، غير أنَّ المستجد اليوم يتمثل في استعداد دمشق لنقاش الملف ضمن إطارٍ سياسي أوسع يشمل ترتيبات مالية وتنموية.
ورغم أن الدنمارك تبحث منذ سنوات عن آليات قانونية لترحيل السوريين الذين رفضت طلباتهم أو المدانين بجرائم، فإنها تواجه قيوداً قانونية أوروبية ومعارضة حقوقية داخلية، إضافة إلى غياب اتفاق مع دمشق يسمح بتنفيذ هذه الإجراءات.
تتزايد الضغوط على الحكومة الدنماركية، خاصة مع تسجيل 72 حالة لسوريين صدرت بحقهم قراراتٍ أو يواجهون الترحيل بسبب قضايا جنائية، وفق بيانات هيئة العودة الدنماركية حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر.
وبينما يذهب وزير الهجرة، راسموس ستوكلوند، إلى إبداء استعداد بلاده لتقديم مساعدات مالية لدمشق لإنجاز عمليات إعادة منظمة، فإن هذا الطرح يثير جدلاً داخلياً، خصوصاً أن بعض الأحزاب تعتبر الدعم المالي تكريساً لتطبيع سياسي مع الحكومة السورية الانتقالية.
المحادثات بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الدنماركي ركزت على إعادة العلاقات الدبلوماسية واستكشاف مساحات تعاون جديدة، بما في ذلك ملف اللاجئين، وتطرح سوريا طريقة تقوم على ثلاثة عناصر:
– عودة طوعية حصراً
– ضمانات تتعلق بالاستقرار والاقتصاد في مناطق العودة
– اتفاقيات سياسية ومالية مرافقة لعملية إعادة أي مجموعات كبيرة
ويعكس هذا الطرح محاولة سورية لاستخدام ملف اللاجئين كورقة تفاوضية في مرحلة سياسية جديدة بعد التغييرات التي شهدتها البلاد، بما في ذلك انتقال السلطة وصعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، كما أن الاجتماع المقبل بين كوبنهاغن ودمشق، وفق ما ذكره راسموسن لقناة “TV2″، سيخصص لبحث شروط دمشق قبل أي تنفيذ عملي، ما يرجح أن العملية ستدخل في مفاوضات طويلة وقد تشمل ترتيبات سياسية غير معلنة حتى الآن.
عودة الاتصالات المباشرة بين دمشق وعدد من الدول الإسكندنافية تفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة السورية الأوروبية بعد سنواتٍ من القطيعة، ويأتي ذلك في سياق تغيرات دولية وإقليمية، إلى جانب التطورات في الداخل السوري التي أعادت تشكيل المشهد السياسي.
وبينما تبحث دول أوروبية عن حلولٍ لملفات اللجوء المعقدة، تبدو دمشق حريصةً على تحويل هذا الضغط إلى فرصة لتعزيز شرعيتها الدولية والحصول على مكاسب اقتصادية وتنموية، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى موارد ضخمة لإعادة البناء وتهيئة ظروف الاستقرار.
