من شمال سوريا، من مدنٍ كانت تنبض بالحياة، كعفرين وسري كانيه رأس العين وكري سبي تل أبيض، خرج مئاتُ الآلاف من السوريين قسراً، خرجوا تحت وابلِ القصف والاحتلال، تاركين وراءهم منازلهم وذكرياتهم وحقولهم، التي كانت تشهد على جذورهم الممتدة في هذه الأرض منذ أجيال.
تهجّروا، لا لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأن آلةَ الحرب التركية فرضت عليهم منفًى قسرياً، ما زال يمتدُّ حتى اليوم.
وبعد عدة أعوامٍ على التهجير القسري، ما يزال هؤلاء المهجرون ينتظرون العودةَ الكريمة إلى بيوتهم، عودةً تحفظ كرامتهم وتعيد لهم ما سُلب منهم تحت سلطة الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له.
فمنذ سيطرة تركيا على تلك المدن، تغيّر وجه الشمال السوري، إذ سُلبت الأملاك، وتغيرت معالم القرى، وهُجّر السكان الأصليون ليُزرَع مكانهم مستوطنون موالون لأنقرة، في مشهدٍ لا يختلف كثيراً عن محاولات التغيير الديمغرافي التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات الماضية.
رغم سقوط النظام السابق.. ملايين السوريين عالقون بين الغربة وانهيار الداخل
ولا يقتصر وجعُ السوريين على مَن هُجّروا من مناطقهم داخل البلاد فحسب، فبينما تمرّ سوريا بمرحلةٍ جديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، لا يزال ملايين اللاجئين في الخارج، يعيشون مرارةَ الغربة ومعاناةً لا تنتهي.
في الأردن ولبنان وتركيا، يعيش اللاجئون السوريون واقعاً قاسياً، تتناقص فيه فرص العمل، وتزداد فيه القيودُ على الإقامة والحركة، بينما تتراجع المساعدات الإنسانية يوماً بعد آخر.
أطفالٌ بلا مدارس، وشباب بلا أفق، وعائلات بأكملها تقتات على الأمل فقط… أمل العودة إلى وطن تغيّر كثيراً، عمّا تركوه في السابق.
لكنّ العودة اليوم محفوفةٌ بالمخاطر، فالمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الانتقالية، تعيش حالةَ انفلاتٍ أمني خطير، تتكرر فيها الاغتيالات وحالات الخطف على أساسٍ طائفي، وسط ضعفٍ في أداء المؤسسات الأمنية وفقدانٍ لسيادة القانون.
أما الوضع الاقتصادي، فيزيدُ المشهدَ قَتامة، فتراجُعُ فرص العمل وانعدام الاستقرار جعلا من سوريا بيئةً طاردة لأبنائها، في ظل فشل الحكومة الانتقالية بتحسين الواقع الاقتصادي، رغم ادعائها بأنها تسعى لذلك.
في مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية الأسواقُ باتت خاوية، والِخدمات شبهُ منهارة، والأسعار تتصاعد كل يوم، لا سيما الخِدمات الأساسية كالكهرباء، فيما يعيش معظم السكان تحت خط الفقر، وفق أرقامِ الأمم المتحدة.
حق العودة ليس شعاراً سياسياً ولا ورقةَ تفاوض، بل هو حقٌّ إنساني وقانوني أصيل، كفلته المواثيق الدولية، ولن يتحقق هذا الحق، وفق مراقبين، إلا بإنهاء الاحتلال التركي للمدن المحتلة، لتعودَ هذه المدن إلى أهلها الأصليين، لأن رحلة إعادة الإعمار الحقيقي، لا تبدأ بالحجر، بل بالإنسان أولاً.
