في ظل تفاقُمِ أزمة الجفاف التي تُنذِرُ بمخاطرَ جديةٍ على الأمنين المائي والغذائي في العراق، أثارت الاتفاقيةُ المائيةُ الأخيرة بين بغداد وأنقرة جدلاً واسعاً، إذ يرى كثيرون أنها لم تحقّق الإنصافَ المنشودَ للعراق في ملف المياه، بل مثّلت تنازلاً جديداً يمنح للنظام التركي مزيداً من النفوذ على منابع دجلة والفرات، ويعزّز من هيمنته على مُقدّرات العراق المائية.
مطلعَ الأسبوع الجاري شهد التوقيعُ على الآلية التنفيذية لاتفاقية التعاون، في مجال المياه بين العراق وتركيا، وذلك خلال لقاءٍ جمعَ وزيرَ الخارجية العراقي فؤاد حسين، بوزير خارجية النظام التركي حقان فيدان، وبرعايةِ رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي وصفَ الاتفاق بأنه يمثّل خطوةً نحو حلٍّ مُستدامٍ لأزمة المياه، التي يعاني منها العراق.
ورغم أن نصَّ الاتفاقية ركّز على جوانبِ التعاون الفني ومشاريع إدارة الموارد المائية داخل العراق، بما في ذلك إنشاءُ السدود ومحطات التحلية وشبكات الري، إلا أنه تجاهلَ جوهرَ القضية الأساسية، المتمثلة في تحديد حصةٍ مائيةٍ واضحةٍ ومُلزِمة للعراق. وقد اعتبر كثيرون هذا التجاهل تفريطاً بالسيادة الوطنية، إذ يمنح النظام التركي عملياً دورَ الإشراف، على مشاريع البنية التحتية المائية العراقية لسنواتٍ مقبلة.
واعتبر مراقبون أن الاتفاقَ الأخير يجسّد ابتزازَ النظام التركي لبغداد، بعدما سلّمت الأخيرةُ “مفتاح القرار المائي” لأنقرة، مقابلَ وعودٍ مُبهمةٍ بالإصلاح، فيما يواصل النظام التركي سياسته الأحادية، في بناء السدود وحجز المياه دون مراعاة حاجة العراق، وسط انتقاداتٍ لصمت الحكومة العراقية، تحت شعارات “التعاون والاستثمار”.
رأى محللون في الشأن العراقي أن الاتفاقية أشبه بـ “كأس ماءٍ مقابل كأسين من النفط”، في إشارةٍ إلى عدم توازنها وميلها لصالح أنقرة، معبّرين في تصريحاتهم عن سخطهم من مضمون الاتفاق واستيائهم من الصمت الحكومي.
على الصعيد الاقتصادي، تعرضت الحكومةُ العراقية لانتقاداتٍ حادة لتجاهلها ورقةَ الضغط التجارية ضد النظام التركي، المستفيدِ الأكبر من السوق العراقية، بحجم تبادُلٍ يصل إلى نحو أربعةٍ وعشرين مليارَ دولار سنوياً، وسط مَطالِبَ نِيابيةٍ مُتكررة، لتقليص الواردات أو فرض رسومٍ إضافيةٍ لمواجهة التعنُّت التركي.
وتزداد الشكوك حدّةً مع الحديث عن ربط الاتفاق بآليةِ بيع النفط العراقي للشركات التركية، وهو ما اعتبره خبراءُ اقتصاديون “مقايضةً غيرَ عادلة” تضع المورد الاقتصادي العراقي، في ميزانٍ واحدٍ مع حقٍّ وجوديٍّ في المياه.
