يشهد الاقتصاد السوري حالة من التدهور الشديد في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني في البلاد، ما ينذر بشلل اقتصادي شبه شامل، وسط غياب أي بوادر لتسوية سياسية قادرة على كبح الانهيار المتسارع.
ومع تعدد مناطق السيطرة في سوريا، تغيب الرؤية الاقتصادية، وتعجز المؤسسات المالية والنقدية عن أداء دورها، ما يدفع البلاد إلى حالة مستمرة من التضخم والانكماش، وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة.
يرى محللون أن الأحداث الأمنية الأخيرة في مدينة حلب، التي تُعد واحدة من أكبر المدن الصناعية في سوريا، تعكس التأثير المباشر للصراع على الاقتصاد؛ فقد أدى اندلاع الاشتباكات التي حصلت مؤخراً إلى تعطيل المحاور اللوجستية في المدينة، مما انعكس سريعاً على أسعار الوقود والنقل والسلع الأساسية.
تضخم متسارع وانهيار العملة من 2011 إلى 2025
ووفقاً لبي بي سي، فقد فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ اندلاع الحرب في عام 2011، ليصل سعر الصرف حالياً إلى قرابة 10 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد، مقارنة بـ50 ليرة قبل الحرب، فيما كان سعر الصرف يراوح عند مستوى 15 ألفاً في الأشهر التي سبقت إسقاط حكم الأسد.
وبعد سقوط النظام وتسلم الحكومة الانتقالية إدارة شؤون الدولة، نشرت وكالة “رويترز” في أواخر شهر آب/أغسطس من العام الحالي أن الحكومة الانتقالية في سوريا ستصدر أوراقاً نقدية جديدة وتحذف صفرين من عملتها، في محاولة لاستعادة الثقة في الليرة التي انخفضت قيمتها بشدة، إذ ستصبح ورقة العشرة آلاف ليرة سورية تساوي مئة ليرة.
ويؤكد اقتصاديون أن هذه الخطوة لا تعالج التضخم القائم في سوريا، إذ إن أسباب الأزمة أعمق وتتعلق بانهيار قطاعات الإنتاج والخدمات؛ فالزراعة تعاني من نقص المياه والكهرباء والمحروقات، والصناعة متوقفة أو محدودة بسبب تدمير المصانع والمنافسة الخارجية، بينما السياحة شبه غائبة نتيجة غياب البنية التحتية والأمان، وأن حذف الأصفار لا يغير القيمة الحقيقية للعملة.
غياب بيئة الاستثمار عن سوريا
أصبحت البيئة الاستثمارية في سوريا شبه معدومة، حيث تمتنع الشركات المحلية والأجنبية عن ضخ أي استثمارات جديدة في ظل غياب الأمان السياسي والقانوني، وبالتحديد بعد مجازر الساحل في آذار/مارس، وأحداث العنف الطائفي في مدينة السويداء.
وقد تراجعت العديد من الاتفاقيات الاستثمارية التي وُقّعت خلال السنوات الماضية، نتيجة الفوضى المستمرة وغياب خارطة طريق واضحة لإعادة الإعمار.
وفي ذات السياق، أعلنت الحكومة الانتقالية منذ عدة أشهر عن توقيع اتفاقيات لمشاريع تفوق قيمتها 14 مليار دولار، دون أن يُنفَّذ شيء منها على أرض الواقع حتى الآن، الأمر الذي عمّق العجز في الميزان المالي.
العقوبات على سوريا ومدى تأثيرها على الاقتصاد
يرى مراقبون أن رفع العقوبات عن سوريا بعد هذه السنوات لا يعني نهاية الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، رغم أهمية هذا الإجراء، ولا يُتوقع أن يؤدي إلى انتعاش سريع للاقتصاد، بل يُعد مجرد خطوة أولى في طريق طويل يعتمد على الحل السياسي بالدرجة الأولى. فالمشهد الاقتصادي لن يخرج من عجزه إلا إذا تعدّل المسار السياسي، كما لا يمكن لاقتصاد دولةٍ أن يتعافى دون أن يسبقه استقرارٌ سياسي.
