في ظل حالة انعدام الأمن المتصاعد في مناطق سيطرة الحكومة السورية المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، وتصاعد الضغوط التركية المطالبة بالقضاء على وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يبرز النقاش حول نموذج الفيدرالية كخيار وحيد للحفاظ على حقوق ومصالح الأعراق والأقليات المختلفة في سوريا، خاصة الأكراد الذين يرون أن العودة إلى كنف الدولة السورية في شكلها الحالي بات مستحيلاً.
تُشير التقارير إلى أن الوضع الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المؤقتة لا يزال هشاً ومتقلباً، حيث سجلت انتهاكات جسيمة تشمل “الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدامات” خارج نطاق القضاء.
إلى جانب ذلك، كشف تقرير حديث للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا عن موجة عنف مروعة اجتاحت الساحل وغرب وسط سوريا منذ كانون الثاني/يناير الماضي، حيث أشار إلى ارتكاب أفعال “قد ترقى إلى جرائم حرب”. وشملت أعمال العنف – التي استهدفت في المقام الأول المجتمعات العلوية وبلغت ذروتها في مجازر وقعت في أوائل آذار/مارس – القتل والتعذيب والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى، والنهب على نطاق واسع وحرق المنازل، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين.
وقال باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس اللجنة: “إن حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية. ندعو السلطات المؤقتة إلى ملاحقة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم”. وقد تم تصوير بعض هذه الأعمال المروعة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب لقطات لمدنيين يتعرضون للإساءة والإذلال.
وفي تطور متصل، شهدت محافظة السويداء جنوبي سوريا وذات الأغلبية الدرزية اشتباكات عنيفة بين فصائل محلية ووحدات من قوات الحكومة المؤقتة، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. وقد اندلعت الاشتباكات بعد محاولة الحكومة المؤقتة نشر قوات إضافية في المحافظة تحت ذريعة “تعزيز الأمن”، ما قوبل برفض شعبي واسع وتحذيرات من “تكرار سيناريو المجازر الطائفية”.
ويُعتبر العنف في السويداء امتداداً لأزمة الثقة بين المناطق المحلية والحكومة المركزية، حيث يطالب أهالي المحافظة بحكم ذاتي أوسع وإدارة شؤونهم الأمنية بأنفسهم، في مؤشر إضافي على عجز النموذج المركزي عن إدارة البلاد المتنوعة.
وفي السياق، قال الشيخ حكمت الهجري أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في المحافظة، إن تشكيل “الحرس الوطني” في السويداء جاء بطلب مما أسماها بالدول الضامنة التي لم يذكرها. وأضاف في مقطع فيديو خلال استقباله وفداً من أبناء المحافظة في منزله: “هناك دعم للحرس الوطني الذي يمثّل الذراع العسكري الدرزي. الدول الضامنة طلبت منا القيام بتشكيل هذا الجيش. وقمنا بالاستعداد لكل السيناريوهات، ونتجه نحو نجاتنا ونحن الطائفة الدرزية تعرضنا عبر التاريخ لإبادات عديدة، ومنها المجزرة الشهيرة في أنطاكيا (خلال العهد العثماني) وما تعرضنا له مؤخراً اليوم هو النموذج نفسه”.
وقبل أيام، أعلن الهجري عن تشكيل “الحرس الوطني”، ليكون مظلة تجمع كافة فصائل المحافظة، وقد انضم أبرز فصيلين في السويداء، هما “حركة رجال الكرامة” و”لواء الجبل” إلى هذا التشكيل العسكري، وتبعهما الكثير من المجموعات المسلحة. فيما تم تنظيم مسير واستعراض عسكري كبير للحرس الوطني تضمن “كتائب عسكرية نسائية”.
وشدد الهجري على أن الخيار الوحيد المتبقي هو “إقامة كيان مستقل يضمن حماية الدروز”. وأضاف: “نحن لا نحمل الضغائن تجاه أحد ولا نحمل فكراً تكفيرياً ولا انتقامياً. لكن بعد الجرائم التي تعرضنا لها لم يعد أمامنا من خيار إلا الاستقلال. نحن نريد سلامتنا وكرامتنا، ونريد لمنطقتنا أن تتناغم مع المجتمعات المنفتحة والحضارية”.
يُشار الى أنه قامت أطراف مختلفة بالدعوة الى الفدرلة، حيث شهدت بروكسل مؤخراً عقد “لجنة تنسيق المكونات السورية” اجتماعاً تحضيرياً تحت عنوان “مبادرة الحوار حول الفيدرالية والديمقراطية في سوريا”. وتهدف المبادرة إلى إطلاق حوار وطني شامل يعالج جذور الأزمة السورية على أساس مبادئ الفيدرالية والشراكة والتعددية، وضم الاجتماع ممثلين عن طيف واسع من المكونات السورية بما في ذلك الكرد والعلويين والدروز والسنة وغيرهم.
أمام هذا المشهد المعقد، تمر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمرحلة إعادة تنظيم داخلي جذرية على المستويين السياسي والعسكري. وقد لوحظ تحول ملحوظ في خطابها الإعلامي، حيث تراجعت عن لهجة المطالبة بالحكم الذاتي الصريح، وتبنت مصطلحات أكثر توافقية مثل “اللامركزية” و”الديمقراطية المحلية”.
وفي تطور مهم، كشفت مصادر خاصة داخل قسد عن استعدادات جارية لدمج قوات “الأسايش” (الأمن الداخلي) مع جهاز الأمن العام السوري، واستعداد لاستقبال وفود من حكومة دمشق لتشغيل دوائر الدولة الرسمية في مناطق نفوذها. هذه الخطوات تشير إلى مرونة تكتيكية من القيادة الكردية، لكنها لا تعني التخلي عن المطالب الجوهرية بحكم ذاتي يضمن حقوقهم.
فيما يخص المواقف الداعمة للامركزية في سوريا فإن الموقف الأمريكي شهد تحولاً ملحوظاً يتجلى في التصريحات الأخيرة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، الذي دعا قسد بشكل صريح إلى التخلي عن أحلام النظام الفيدرالي، مؤكداً أن “النظام الفيدرالي لا يصلُح في سوريا”، وأن الطريق الوحيد أمامها هو “الطريق إلى دمشق”.
هذا الموقف الأمريكي جاء في سياق ضغوط تركية متواصلة لإنهاء النفوذ الكردي على طول حدودها الجنوبية. وتشير تحليلات إلى أن التصريحات الأمريكية تحمل رسائل مزدوجة؛ فهي من جهة تهدف إلى طمأنة حليف الناتو المتمثل في تركيا، ومن جهة أخرى تؤكد أن مستقبل سوريا يجب أن يصاغ عبر تسوية وطنية شاملة وليس من خلال كيانات أمر واقع.
وفي إطار هذا التحول، أفادت مصادر مطلعة بأن واشنطن قامت بتسريح عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين الكبار المعنيين بملف سوريا في منصة سوريا الإقليمية بمقرها في إسطنبول، في إطار إعادة تنظيم الفريق الذي يقوده براك، الذي قاد بدوره تحولاً في السياسة الإقليمية يدعم في ظاهره دولة سورية موحدة تحت قيادة أحمد الشرع.
يبدو أن الفيدرالية هي الضمانة الوحيدة لتحقيق استقرار دائم في سوريا، وهي تخدم المصالح الأمريكية الرامية إلى بقاء موطئ قدم في المنطقة دون تحمل أعباء إدارة مباشرة.
كما أن الولايات المتحدة تدرك أن دعم نموذج فيدرالي شامل يحقق عدة أهداف في آن واحد على رأسها من ضمان حقوق الأقليات وقطع الطريق على الصراعات الطائفية، وخلق توازنات قوى تمنع هيمنة قوى معادية لأمريكا في المنطقة، ويحفظ مصالح واشنطن الاستراتيجية في مواجهة النفوذ الإيراني وغيره في المنطقة.
غير أن التراجع الظاهري في الدعم الأمريكي للمشروع الفيدرالي هو مجرد مناورة تكتيكية لتحقيق مكاسب تفاوضية وتهدئة حلفاء مثل تركيا، لكن الاستراتيجية الأمريكية طويلة الأمد لا تزال تنطلق من ضرورة إقامة كيانات لا مركزية قوية في سوريا وهو التوجه الظاهر اليوم في الجنوب السوري ومن قبله في الشمال.
261
