أثار تقرير نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية جدلًا واسعًا بعنوان: “كيف نتجنب حربًا أهلية سورية أخرى.. ابدأ باحتضان الفيدرالية”، بعد أن حذرت من المخاطر المترتبة على سياسة الحكم المركزي التي يتبناها أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، والقائد السابق لـ”هيئة تحرير الشام”، والذي تولى السلطة في سوريا أواخر العام الماضي بعد سقوط نظام بشار الأسد.
مركزية الشرع تعمق الانقسامات
ورغم أن الشرع قدم نفسه كبديل سياسي، وحاول تشكيل حكومته الانتقالية بدعم أمريكي جزئي، فإن المجلة ترى أن إصراره على المركزية في بلد متنوع طائفيًا وعرقيًا يفتح الباب أمام أزمة جديدة، بل وربما إلى حرب أهلية.
ولفتت الصحيفة إلى أن واشنطن، عبر مبعوثها الخاص توم باراك، ذهبت في تموز/يوليو الماضي إلى حد استبعاد أي دعم لفيدرالية أو حكم محلي، وهو ما يتقاطع مع موقف الحكومة الانتقالية التي تعتبر الفيدرالية خطوة نحو تفكك الدولة.
ونقلت الصحيفة أن الشرع ومستشاريه يفتقرون إلى رؤية واضحة لسوريا متعددة المكونات، إذ اعتادوا على إدارة مدينة إدلب الصغيرة “كملاذ للإسلاميين”، لكنهم يواجهون اليوم دولة كبيرة ذات نسيج متنوع، فيما تميل دائرته الضيقة إلى احتكار السلطة.
تصاعد العنف الطائفي في سوريا
التقرير أشار إلى أن الأشهر الأولى من حكم الشرع شهدت تصاعدًا خطيرًا في العنف الطائفي، حيث قُتل أكثر من 1500 من أبناء الطائفة العلوية في آذار/مارس الماضي، وأشار التقرير أيضًا إلى تعرض قرى درزية في السويداء لهجوم دموي في تموز/يوليو، خلّف آلاف الضحايا، وأدى إلى تدخل عسكري إسرائيلي مباشر.
كما حمّل التقرير الشرع مسؤولية الاعتماد على مقاتلين “بدو” متهمين بارتكاب انتهاكات واسعة، ما عمّق مخاوف الأقليات، خصوصًا العلويين والدروز.
الكرد خارج المعادلة
المجلة لفتت أيضًا إلى أن الكرد الذين كانوا في البداية منفتحين على التعاون مع الحكومة الانتقالية، غيّروا موقفهم بعد أحداث السويداء، رافضين تسليم السلاح أو الاندماج في الجيش الجديد، وهو ما يضع البلاد أمام احتمال جديد للصراع.
من جانب آخر، انتقدت فورين أفيرز الموقف الأمريكي الذي يرفض دعم أي صيغة فيدرالية أو لامركزية للحكم، معتبرة أن هذا النهج يتقاطع مع سياسة الحكومة الانتقالية، ويعزز نزعة الاستبداد لدى الشرع. ووفقًا للتقرير، فإن واشنطن تخاطر من دون قصد بتشجيع أكبر لتوجهات الشرع.
دعوات للحل اللامركزي
وقالت فورين أفيرز إن صناع القرار في واشنطن بدأوا يتجهون تدريجيًا نحو قبول فكرة الفيدرالية، رغم استمرارهم في الإعلان عن “ثقتهم بكفاءة الشرع”.
التقرير أكد أن الحل يكمن في تبني صيغة لامركزية موسعة تمنح الأقليات الدينية والعرقية صلاحيات محلية في مجالات الإدارة والخدمات والأمن الداخلي، مع بقاء الملفات السيادية بيد حكومة مركزية.
وفي حال تجاهل هذه المخاطر، خلصت المجلة إلى أن سوريا مهددة بالانزلاق نحو صراع داخلي معقد، تتداخل فيه التدخلات الإقليمية والدولية، وتزداد معه الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
