في صيف عام 2014، شهد العالمُ واحدةً من أفظع الجرائم في التاريخ الحديث… الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين في قضاء سنجار شمال العراق، على يد تنظيم داعش الإرهابي.

مأساةٌ لم تقتصر على القتل الجماعي، بل امتدت إلى الخطفِ والاستعباد الجنسي للنساء والأطفال، وتهجير عشراتِ الآلاف، من عائلاتٍ بريئةٍ لا ذنب لها سوى انتمائها الديني.

بداية المأساة
ففي الثالث من آب أغسطس من ذلك العام، اجتاح عناصرُ التنظيم قرى الإيزيديين، ليبدؤوا حملةَ قتلٍ ممنهجة، راح ضحيتها آلافُ الرجال، بينما خُطفت نساءٌ وفتيات، وتم بيعهن في أسواق النخاسة سبايا.
الأطفال فُصلوا عن ذويهم، بعضُهم أُجبر على القتال، وآخرون تعرضوا لغسيل دماغٍ لطمس هويتهم الدينية. لقد تحوّلت سنجار في أيامٍ معدودةٍ إلى مقبرةٍ جماعية، وإلى جرحٍ إنساني لا يندمل.

إحصاءات صادمة
الأمم المتحدة أشارت إلى اختطاف 6417 من الإيزيديين، خلال الهجمات على سنجار، كما أُخضِعت العديدُ من النساء والفتيات، لأشكالٍ مختلفةٍ من العنف الجنسي الوحشي، بما في ذلك الاغتصاب والعبودية الجنسية.
وأضافت أن هناك 2847 من الإيزيديين، ما زالوا في عداد المفقودين، بالإضافة إلى عددٍ غير معروفٍ من المفقودين من مجتمعاتٍ أخرى.

وأشارت إلى أنه من المرجح، أن العديدَ من الناجين ما زالوا محتجزين، وقد لا يكشفون عن هويتهم بسبب مخاوفَ من الانتقامِ وانفصالهم عن أطفالهم، وأن هناك قلقاً بالغاً من أن يكون الأطفال الإيزيديون من بين المفقودين، وقد لا يعرفون أو يتذكرون هويتهم لأنهم كانوا صغارًا جدًا وقت الاختطاف، أو تم فصلهم قسرًا عن عائلاتهم.
معاناة بلا نهاية
ورغم اعتراف المجتمع الدولي لاحقًا، بأنّ ما جرى كان إبادةً جماعية، إلا أنّ معاناة الإيزيديين لم تنتهِ بعد. فبعد تحرير مناطقهم، عاد كثيرٌ منهم ليجدوا قُراهم مدمرة، وبُناهم التحتية مهدمة، بينما لا تزال مئاتُ النساء والأطفال في عداد المفقودين حتى اليوم.
الناجون يتحدثون بمرارةٍ عن سنواتٍ من الإهمال والتهميش سبقت المأساة، إذ عانى الإيزيديون لعقودٍ طويلةٍ من سياساتٍ غير عادلة، حرمتهم من التمثيل السياسي الكافي والخدمات الأساسية وفرص التنمية، وجعلتهم عرضةً للاستهداف عند أول انهيارٍ أمني كبير.

وبعد مرور أكثرَ من عقد، ما زال كثيرٌ من الناجين يعيشون في مخيمات النزوح، بلا تعويضاتٍ كافية، وبلا ضماناتٍ حقيقيةٍ تمنع تكرار المأساة.

خبراء حقوق الإنسان يؤكدون أنّ الحكومةَ العراقية فشلت حتى اليوم، في إعادة الإعمار الفعّالة في سنجار، وفي تحقيق العدالة عبر محاكماتٍ جادةٍ لمرتكبي الجرائم، سواء من عناصر التنظيم أو من الجهات التي سهّلت ارتكابَ هذه الفظائع.
إنّ المأساة الإيزيدية لم تكن مجرد كارثةٍ محلية، بل جريمةً إنسانيةً عالمية هزّت ضمير البشرية. ومع ذلك، بقيت قضيتهم عالقةً بين وعودٍ دولية لم تتحقق، وخطابٍ سياسي محلي لم يترجم إلى إجراءاتٍ حقيقية، تعيد لهم حقوقهم وكرامتهم.

وإلى الآن ما زال الناجون يرفعون أصواتهم، مطالبين باعترافٍ كاملٍ بحقوقهم كمواطنين متساوين، وبإعادة إعمار مناطقهم، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة كل مَن تورط في هذه الجريمة البشعة.
إنّ استمرار تجاهل هذه القضية، يرسل رسالةً خطيرةً مفادُها أنّ الجرائمَ الكبرى، يمكن أن تمرَّ بلا عقاب، وأنّ الأقليات الدينية يمكن أن تبقى بلا حمايةٍ ولا إنصاف.
قضية الإيزيديين اليوم، ليست فقط قضيةً إنسانية، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام العالم بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
فهل آن الأوان لأن تتحمل الحكومة العراقية والمجتمع الدولي مسؤولياتهما التاريخية؟
وهل سينال الإيزيديون حقهم في العيش بأمان وكرامة على أرضهم التي دافعوا عنها لقرون طويلة؟

