في سوريا، حيث نشأت سلطةُ الدولة الحديثة، على هيكلٍ أمني صارم منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت الكلمة العُليا دائمًا لـ”المعلم”؛… مصطلحٌ اجتاح المؤسسة العسكرية والأمنية ليصبح لقبًا يتجاوز الرُّتَب الرسمية، ويمنح صاحبه سلطةً تتخطى حدود القانون.
كان “المعلم” عنواناً للنفوذ المطلق، رمزًا للالتفاف على القانون والأعراف، وشخصاً تحيطه الهيبة وترافقه سيارات الحماية وصيحات الحرس.
لكن في سوريا “ما بعد الثورة”، حيث رُفعت شعارات التحرير وبُشّر بعودةِ الدولة والقانون، برز شكلٌ جديد للسلطة، لا يُمارَس من خلف مكاتب الأجهزة الرسمية، بل من خلف العباءة واللحية: “الشيخ”.
ومع تصدع مؤسسات الدولة وتفكك البنية الأمنية التقليدية، باتت السلطة في كثير من المناطق تُمارَس باسم “الشيخ”… شخصيةٌ لا تحمل أي صفةٍ قانونية أو إدارية، لكنها تتحكم بالمصير اليومي للمواطنين.
وفي مشهد يعكس التداخل بين الدين والسلطة في غياب القانون، أثار تصريحٌ علني للأسقف رومانوس حنات، عقب تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق، جدلاً واسعًا حين قال: “المسؤول عني الشيخ فلان والشيخ علان”، مستنكرًا هذا الواقع… تصريحٌ كهذا لا يعكس فقط استياءَ رجل دين، بل يسلّط الضوء على شعورٍ مجتمعي متزايد، بأن سلطة الدولة أصبحت شكلية، وأن الحكم الفعلي يُدار عبر شخصياتٍ غير رسمية تتحرك كأذرعِ ظل.
حوادثُ كثيرة لا يتسع المقام لذكرها جرت مع كُثُرٍ من بينهم صحفيون، ولم تقتصر على مكانٍ بعينه بل شملت مناطق واسعة من سوريا، رافقتها اعتداءاتٌ جسدية ولفظية، تلخص تصاعد نفوذ شخصية “الشيخ” كمصدرِ سلطة فعلية، تتجاوز القانون ومؤسسات الدولة في سوريا.
لم يعد لفظ الشيخ مجرّد رمزٍ ديني أو اجتماعي، بل بات قوةً تنفيذية تُمارِس التهديد، وتوجّه الأمن، وتتخذ قراراتٍ مصيريةً خارج أي إطارٍ قانوني، مما يعكس تحولاً خطيراً في موازين السلطة، نحو حكم ظلٍّ غيرِ رسمي ومفروضٍ بقوة الواقع.
هكذا يتبين أن سوريا تشهد تحوّلًا عميقًا في هرم السلطة، فبعد أن كانت الكلمة للـ”معلم” الذي يلتفّ على الرُّتب العسكرية والقانون، ظهرت شخصية “الشيخ” الذي يلتفّ بدوره على مؤسسات الدولة، ويحكم باسمه دون أن يكون له موقعٌ رسمي.
هذه الشخصيات غير الرسمية – سواء كانت “المعلم” في السابق أو “الشيخ” في الوقت الحاضر – تمثل الوجهَ الحقيقي للسلطة في سوريا، حيث القانون غائب، والمحاسبة شكلية، و”الدولة” ليست أكثرَ من لافتةٍ تديرها سلطة ظل، تتغير أسماؤها وأقنعتها، لكنها تبقى وجهًا لجوهر واحد: الاستبداد غير المعلن.
